حبسة الكاتب – بقلم الناقد زياد صلاح

يا الله ، ما أقسى وأصعب أن تحمل سجنك الخاص في داخلك ، وتخرج لكي تتنزه وحيداً ، وحيداً جداً ، في إحدى الحدائق العامة !!
يجلس الكاتب ، ليراقب ( الناقد الذاتي ) المقيم في سدّة وعيه، وهو يتحاور مع كلٍّ من الدافع إلى الكتابة ، ومآل ذلك الدافع، على خلفية شاشةٍ أدبيةٍ ثلاثية الأبعاد :
= الرغبة في التعبير .
= القدرة على التأثير .
= الحاجة إلى التغيير .

إنه يرى إلى قلبه وهو يكبر بما يحس .. وإلى نفسه وهي تتنفس النور ..
غير أنه، في خضمّ الإرهاصات، وأتون المكابدات ، قد يواجه حالةً طارئةً ومؤرقة ، يجد نفسه فيها غير قادر على الكتابة لفترةٍ من الوقت، ولأسبابٍ غير معلومة ، فيما يسمّى : ” حبسة الكاتب ”
إنه يفرح ، يتألم ، يبكي ، يصمت ، يتكلم، يتذكر، يتخيل، يحب ، يكره ، يتأمل، يخاف ، يحار، يغفل ، يبتعد ، يقترب .. ويكون في الحلم ، مثلما يتمنى أن يكون في الواقع ..
وعلى منعطفٍ ما ، يمكن أن يتوقف قصراً عن الكتابة .
وكأنّ صخرةً هوت فجأةً من أعلى الجبل ، وتدحرجت على السفح ، لتستقر أخيراً في مجرى سيل الكتابة المتدفق.
حينها ، لا ماء سيأخذ طريقه في مجراه إلى نهاية الحكاية .
وحينها أيضاً ، سيقف الكاتب وحيداً ، مثل حارسٍ مشدوه ، عند ماكينة خياله المعطلة.
أما ساعة المنبه البيولوجية ، فربما تخفق في ايقاظ المغزى النائم في غرفة صدره، حتى يلتحق بوظيفته الدلالية على الورق.
بعض الكتاب المجربون ، ينصحون في مثل هذه الحالة ، بالعودة إلى الذاكرة.
طبعاً ، على نحوٍ مؤقت, إلى أن يستعيد الخيال عافيته ، ويحلّق مثل طائرٍ مناور، في فضاء النص المفتوح ، من جديد.
إن طبقة الغبار المنسي، التي تكسو الطاولة ، هي التي تتيح لنا أن نكتب عليها مسبقاً ما لا نريد أن ننساه لاحقاً.
إذن ، فلتحيا الذاكرة .. ولكن ، دون أن تحتل مكان المخيلة .
وإلا ، فسوف يعيش الكاتب دائماً في الماضي.
ولن تكون المظلة السوداء في يده، سماءً صغيرةً صماء ، تحت السماء الكبيرة الماطرة..
تذكروا : ليس هنالك من هو أكثر مهارةً من هذا الكائن البشري المتفرّد، الذي شاءت الأقدار أن يكون أديباً ، في إيجاد العلاقات الخفية بين الأشياء.
وهو في هذه الصنعة ، قد يتفوق على الفيلسوف ، قبل أن ينجح أخيراً في التفوق على نفسه.

إذا تأملنا يوماً في الساعة الرملية ، فسوف نكتشف بيسر ، أن أهم عوامل التغلب على عقدة “الامتناع” ، أي عدم القدرة على القيام بالفعل الكلامي ، هو ” السلاسة ” .
إنها تقدم لنا حلاً جذرياً ، وعلى مهل .. ويمكن القول إنها خلطةٌ غير سحرية ، ولكنها بالغة الفعالية. أما مكوناتها الأساسية فهي : الدقة ، والصبر ، والحساسية ..
تصف ” إيزابيل الليندي ” عجزها عن الكتابة في إحدى مراحل تجربتها الأدبية، بأنه أشبه بابتلاع الرمل.
وللخروج من هذا المشهد المؤلم ، يمكن تحويل النظر إلى مشهدٍ آخر ربما يبعث على المسرّة.
في السودان ، هنالك تقليد تراثي جميل ، يُسمّى : ” حبسة العروس ” . وهو يتجلى في إقامة مجموعةٍ من الطقوس المتتالية، التي يتم من خلالها العناية بجسد العروس وفق مراحل معدّة سلفاً، تمتد لشهرين فيما قبل موعد الزفاف.
علينا أن نتعلم من الفرق بين “حبسة الكاتب” الإجبارية، و”حبسة العروس” الاختيارية ، ما من شأنه أن يطلق لخيالنا العنان.
إن الصفحة البيضاء ، التي عادة ما تغوي الكاتب بممارسة فعل الكتابة ، قد تتحول في مرحلة غير مفضّلة من تجربته المعقدة ، إلى مرآةٍ عاكسةٍ للعجز حتى عن النظر إليها.
فالطبيعة لا تقبل الفراغ ، وكذلك هو الحال بالنسبة لأوراق الكاتب الخالية من أيّ أثرٍ للكلمات.
هنالك نموذج آخر يمكن الإشارة إليه في معرض الحديث عن الورق الفارغ :
إنها عربة التسوّق .
فبناءً على الفهم المسبق لطبيعة التأثير السيكوفيزيقي المركّب ، يتم وضع تصور للحجم الذي ينبغي أن تكون عليه تلك العربة ، حتى تغوي المتسوق بالشراء حدّ الامتلاء.
إذن ، فهي يجب أن تتسع لما هو متوقع ، في حين أن ذلك المتوقع ، هو الذي يحدد تلك السعة.
إن الكتابة في الأساس ، هي إجابةٌ إيجابيةُ الطابع ، عن سؤالٍ كبير، يتعلق بالاستجابة للتعبير، والذي يغدو أكثر إلحاحاً ، كلما انحبس مطر المفردات في غيوم الأحاسيس الرمادية المبهمة.
فيا أيها المبدع المبجّل ، إن السماء ليست في الأسفل !!
ومن هنا ، إذا لم تتحقق تلك الاستجابة ، ولأسبابٍ غير واضحة ، فستكون حبسة الكاتب له بالمرصاد ، وستعلن عن نفسها كإجابةٍ سلبيةٍ مقلقةٍ ، عن ذلك السؤال الحيوي الهام.

هل جرب أحدكم أن يصعد إلى مكان مرتفع ، ثم وجد صعوبةً كبيرةً في النزول من هناك ؟!
مثل هذه الأشياء تحدث باستمرار .
لكن ، ماذا لو مددت يدك إلى الورقة لتكتب بها شيئاً ما ، فلسعتها النار ؟!
إنها تجربةٌ مؤلمة ، أليس كذلك ؟
بيد أن مثل هذا النوع من الألم ، قد يكون ثمناً ” عادلاً ” للهدية التي سوف تقدمها للقارىء وأنت تبتسم.
والابتسامة ، بصمة الوجه الوردية على لوحة البصر الأبيض .
أرأيت ؟!
هذا ما يفعله من يحب ما يفعله .
والكتابة في جوهرها محبة خالصة .. أو لنقل : هكذا يليق بها أن تكون .

والآن ، تعالوا لنقترب معاً من الصمت أكثر ..
أعني ، ذلك السكون الذي يسبق عاصفة الكتابة غير الموسمية.
إنها فترة ” الامتلاء “.. الامتلاء بالمعنى ..
ثم ، وفي لحظة ما – يمكن تسميتها : زاوية التدفق الحرجة – تهب تلك العاصفة ، من جهة القلب ..
أما في حالة الاستعصاء ، فإن القلم سرعان ما يطابق ظله على الورق المطاوع.
قد يخال أحدنا بأن تلك ، هي استراحة الكاتب المحارب بسلاحه الفتاك، وهو القلم.
لكن الحقيقة، قد تعمل بجدٍّ في مكانٍ آخر .
علينا الانتظار لبعض الوقت خارج الحدود الوهمية للنص المأمول .
وعلينا أيضاً ، أن نفرّق على نحو مقبول ، بين علة الخوف من شيءٍ ما ، وعلة الخوف عليه.
ثم بين الخوف من الفكرة بذاتها ، والخوف من الفشل في إيصالها .
ولأخطر من ذلك كله ، أن تتحول الطبقات المتراكمة من الشعور بالخوف ، إلى ما يسمّى “فوبيا الكتابة” .

أن تشمّ وردةً جوريّة نديّة ، أفضل من أن تقول : أنا لا أستطيع أن أكتب عن الحب .
أن تصغي إلى موسيقى الربيع لشوبان ، خير لك من أن تحاول السباحة عبثاً بعكس جريان نهر الزمان.
أن تضحك أمام المرآة بصوتٍ مرتفع ، أكثر جدوى من أن تشرّع بوابتك الذاتية للإحباط ، بمجرد أن يطرقها للمرة الأولى، وبيدك أنت ؛ من الداخل.
اطمئن أيها الكاتب .. فكل الأشياء سوف تبقى في مكانها الصحيح ، إذا نظرت إليها من الموقع الملائم للرؤية .
لقد حباك الله بنعمة اللعب بكرات الثلج ، في منتصف فصل الصيف.
إنه الخيال، أو لنقل إنه الشعر، بل إنه أنت حينما تعيش فيما تكتبه، وكأنك تكتب عما تعيشه.

إن من يغلب على لغتهم الطابعُ الحسّي المشحون بتيار العاطفة، عادةً ما يكونون أكثر عرضة للوقوع في مصيدة الحبسة الكتابية المحيّرة.
أما من يقود وعيُهم أحاسيسَهم بمهارةٍ واقتدار، فهم غالباً ما يكونون في مأمنٍ من مثل هذا النوع القاسي من العثرات الموجعة.
لذلك ، على الكاتب أن يراعي قدر الإمكان، عملية التوازن بين الصور الحسية والصور الذهنية التي يرسمها بالكلمات، حتى لا يفقد فرصة التكامل بين المجرد والمجسد فيما ينتج من نصوصٍ أدبية حيّة.

لو سألني أحدهم عن أسرع الطرق وأنجعها، للتغلب على الحبسة الكتابية ، لأجبته دون تردد :
الكتابة في الماء.
لنتذكر الدفق الداخلي المحسوس .. ثم نربطه بالدفق الخارجي الملموس.
على الأرجح ، فإن هذا سيجر ذاك إلى مصبه الكائن في عهدة الورق.
والمقصود هنا :
المحاكاة ، والحث ، والإشراط ..
بحيث يدخل الكاتب في أجواء مختلفة ، فيخرج من تحت تأثير الأجواء السابقة التي أنتجت شروط الحبسة في داخله.
ومن المهم جداً ، أن يحرص على أن تتحول حبسته الكتابية إلى عقدةٍ نفسيةٍ كأداء .
فحينها ، سيكون للكتابة مفعولٌ مناقضٌ للغاية الأساسية من وجودها .
أي : الهدم وليس البناء.
أحمد الله على أنني لم أواجه حبسة الكتابة ، وأنا أكتب لكم الآن عنها !!

يمكن وصف بعض ( المضادات الحيوية المعنوية ) التي من المرجح أن تحول دون الوقوع تحت التأثيرات السلبية لحبسة الكاتب ، وهي :
= التحلي بروح الفكاهة .
= التنبه لعدم وصول الاستغراق في الفكرة إلى حد الاستغلاق .
= عمل مناقلات حسية وذهنية متوالية .
= الاحتكام إلى سلطة القانون المستمَد من سعة الوعي .
= الحوار الذاتي .. والحوار مع الآخر .
= بناء علاقة متوازنة مع الحرية .
= التخفيف من شدّة القصد . فشدة القصد مثل شدة القرب ؛ حجاب.
= استعمال منشطات الخيال ، وربما على سبيل “الاحتيال” ، مثال :
لغة الذاكرة المستقبلية : كنا سنفعل كذا ..
أو لغة المخيلة الماضوية : أخال بأننا فعلنا كذا ..
وهكذا ..
= قصة (( المَلَكة النائمة )) : الكتابة عن البحث عن وسائل إيقاظها من نومها العميق.

والآن .. اسأل نفسك : ماذا علي لو خرجت عارياً في الظلام ؟!
شيء من هذا القبيل قد يجعلك ترى النص وهو يشرق من أفق الورق مثل الشمس.
كم أشفق عليك !!
ربما أكثر مما تشفق أنت على القارىء الذي عادةً ما يُتعب بصرَه الجريُ على السطور.
ثم أنك قد تطلب منه أن يستريح فيما بينها ، فيجد من العناء ما هو أكثر ..
لطالما جرّبتُ أن أجلس في العتمة لساعات طويلة.
ومن هناك ، كنت أحضر – أحياناً – قبساً من نور .
عليك أن تتصور .. وأن تتذكر ، بأن روح القارىء حينما تسكن فيك ، قد تصيبك بالشلل.
وهي الروح نفسها التي طالما دفعت بك إلى الأمام .. إلى حيث يكون المعنى المطلوب في انتظارك على ناصية النص، وعند مفترق الكلام .

(( حبسة اليد ))
يمكن استحضار مثل هذه الحالة للمقارنة ، بين الآثار السيكولوجية والفسيولوجية.
ومن المفيد هنا، مراجعة ما يسمّى : “العارض التحويلي” في علم النفس، للاطلاع على الكيفية التي يحتال فيها العقل الباطن على الوعي ، كوسيلة دفاع ذاتية “ميكانيزم دفاعي” لحماية الإنسان من وقع الصدمات.

وفي جملة غير اعتراضية دعونا نتخيل هذا المشهد :
( الباب المغلق في حائط النص المفتوح )

لا تفكر بنفسك ، ولا بما يحدث لها ..
فأنت هو أنت .. وما عليك إلا أن تدير ظهرك للدنيا ، حتى تتبعك مثل أي امرأةٍ فاتنةٍ ومفتونة.
آنذاك ، إياك أن تجعل الغرور يجلس إلى جانبك ، ليشاهدها وهي ترقص على أطراف أصابعها من أجلك.
لأنك حينها ، ستكون معرضاً للعدوى .
وستفتح باباً واسعاً ، لتدخل منه تلك الحبسة الغامضة إلى قلبك الحزين.
ولن تكون بعيدةً عنك ، محنةُ الكاتب.
تلك المحنة التي قد تصبح مطالباً بأن تعانقها تحت الشمس ، وكأنها “الحبيبة” التي عادت إليك من عالم الغيب ، لتجعلك تؤمن دون بانك أنت دون ريب .
القلمُ خنجرٌ في يدك ، والصفحةُ هي صدرك العاري ، والكتابةُ انتحار جميل !!

هيا ، قم من مكانك .. ثم تصور بأن ذلك المكان، يتبعك إلى حيث تذهب !!
هذا النوع من التحديات الذهنية ، قد يولد في داخلك، طاقةً جديدةً للإلهام..
أو على الأقل ، ربما يجعلك قادراً على التكيف مع الجلوس في عتمة الشك.
شكك في أن تتجاوز حالة المخاض العسير لولادة النص.
لا تكن في عجلةٍ من أمرك، فسوف يخرج ذلك النص الوليد إلى دائرة النور ، وستخرج أنت معه إلى مربع اليقين.
فبينك وبين نفسك لغة حرّةٌ مجرَّبة .. وصمتٌ بليغٌ، أكبر من كل المعاجم والقواميس.
إنني أكتب لك هذا ” الآن” ، في صباح الأربعاء ، على أمل أن تسمعني فتصدقني، وأنا أقرأه عليك “الآن” في مساء الخميس. “

اترك تعليقك من فضلك

عن محمد طكو

مؤسس ورئيس تحرير صحيفة ذي المجاز | شاعر وإعلامي للتواصل مع الشاعر من خلال صفحة الفيس بوك مباشرة

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز