عين على كتب التراث / خالد خبازة – صحيفة ذي المجاز
خالد خبازة

عين على كتب التراث / خالد خبازة

لغتنا الجميلة

في الشعر و الأوزان الشعرية

البحث الرابع
كنا تحدثنا في البحوث السابقة
عن الشعر و تفعيلاته و أصوله التي أتى بها الفراهيدي و أن هذه الأصول مقسمة الى أسباب و أوتاد و فاصلة تحدثنا عنها تفصيلا .. كما تحدثنا عن الشعر بشكل عام و كيف نشأ أصلا على ألسنه الفصحاء العرب و ذكرنا لماذا تم تسميته قريضا كما سميت القصيدة و كيف سميت قافية .. الخ .. و تحدثنا عن المطالع و المطالع و عن مراتب الشعراء …
و اليوم حديثنا سيكون في :

أولا : في اختراع المعاني و ابتكارها :
قال الجاحظ :
أجود الشعر ، ما رأيته متلاحم الأجزاء ، سهل المخارج ، فتعلم بذلك انه أفرغ افراغا جيدا ، و سبك سبكا واحدا ، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان .
و المخترع من الشعر ،هو ما لم يسبق اليه قائله و لا عمل أحد من الشعراء قبله نظيره ، أو ما يقرب منه .. كقول امرئ القيس من الطويل و القافية من المتواتر :

سموت اليها بعدما نام أهلها … سمو حباب الماء حالا على حال

فانه أول من طرق هذا المعنى و ابتكره ، و سلم الشعراء اليه ، فلم ينازعه أحد اياه .
و قوله من الطويل أيضا و القافية من المتواتر :

كأن قلوب الطير رطبا و يابسا … لدى وكرها العناب و الحشف البالي

و ما زالت الشعراء تخترع و تولد ..
و التوليد أن يستخرج الشاعر معنى من معنى لشاعر تقدمه ، أو يزيد زيادة .. لذلك يسمى بالتوليد ، و ليس بالاختراع . و لا يمكن اعتبار ذلك سرقة
كقول امرئ القيس :

سموت اليها بعدما نام أهلها … سمو حباب الماء حالا على حال

فقال عمر بن أبي ربيعة من السريع و القافية من المتدارك :

فاسقط علينا كسقوط النوى … ليلة لا ناه و لا زاجر

فولّد معنى مليحا اقتدى به بمعنى امرئ القيس دون أن يشركه بشيء من لفظه ، أو ينحو نحوه الا في المحصول ، وهو لطف الوصول الى حاجته في خفية .
و أما الذي فيه زيادة فكقول جرير يصف الخيل من البسيط و القافية من المتواتر :

يخرجن من مستطير النقع دامية … كان آذانها أطراف أقلام

فقال عدي بن الرقاع يصف قرن الغزال من الكامل و القافية من المتدارك :

تزجي أغن كأن ابرة روقه … قلم أصاب من الدواة مدادها

فولد بعد ذكر القلم ، اصابته مداد الدواة ، بما يقتضيه المعنى .، اذ كان لون قرن الغزال أسودا .

بين اختراع المعنى و الابداع :
و الفرق بين الاختراع و الابداع – و ان كان معناهما في العربية واحدا – أن الاختراع خلق للمعاني التي لم يسبق اليها .. و الاتيان بما لم يكن منها قط ؛ و الابداع اتيان الشاعر بالمعنى المستظرف ، الذي لم تجر العادة بمثله ، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع . و ان كثر و تكرر ، فصار الابداع للمعنى و الاختراع للفظ ؛ فان تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع و لفظ بديع ، فقد استولى على الأمد ، و حاز قصب السبق .
ثانيا : المجـــاز :
كثيرا ما استعملت العر ب المجاز ، وكانت تعده من مفاخرها ، فانه دليل الفصاحة ، و رأس البلاعة ، و به بانت لغتها عن سائر اللغات .
و معنى المجاز .. طريق القول و مأخذه . و هو مصدر جزت مجازا .. كما تقول قمت مقاما ، و قلت مقالا .
و المجاز في كثير من الكلام أبلغ من الحقيقة ، و أحسن موقعا في القلوب و الأسماع . و صار التشبيه و الاستعارة و الكناية و غيرهما من محاسن الكلام ، داخلة تحت مفهوم المجاز
قال جرير بن الخطفي من الوافر و القافية من المتواتر :

اذا سقط السماء بأرض قوم … رعيناه و ان كانوا غضابا

أراد المطر لقربه من السماء . و يجوز أن يريد بالسماء السحاب ، لآن كل ما أظلك فهو سماء ، و قال سقط .. يريد سقوط المطر الذي فيه .. و قال رعيناه ، و المطر لا يرعى و لكن النبت الذي يكون عنه ، فهذا كله مجاز .
و مثال على المجاز أيضا قوله تعالى :
” و اسأل القرية ” .. أي اسأل أهل القرية
و قوله تعالى :
” و أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ” .
و قوله :
” و الله خير الماكرين ” و انما سمى ذلك مكرا لأنه مجازاة عن مكر .
و كذلك قوله :
” فبشرهم بعذاب أليم ” .. و العذاب لا يبشر به .
و قوله تعالى عن آدم و حواء :
” فلما تغشاها ” كناية عن الجماع .
و من أناشيد هذا الباب قول الفرزدق من الكامل و القافية من المتواتر :

و الشيب ينهض في الشباب كأنه … ليل يصيح بجانبيه نهار

و العرب تقول : بأرض فلان شجر قد صاح .. أي طال .
و قال ابن السكيت :
لما تبين الشجر بطوله ، و طل على نفسه ، فكأنه صائح ، الصائح يدل على نفسه .
و القرآن الكريم و الشعر العربي زاخران بأمثال ذلك من المجازات الرائعة .

……………

خالد ع . خبازة
من كتاب ” العمدة ” لابن رشيق و غيره من كتب التراث

عن mona alzeer

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز