التهامي بوليس.. “الإبحار في رواية هيروبوليس”../ بقلم الدكتور : السيد إبراهيم أحمد

 

  • التهامي بوليس.. “الإبحار في رواية هيروبوليس”..
  • بقلم الدكتور : السيد إبراهيم أحمد .

 

شب “ليجد نفسه مواطنًا يعيش تحت سماء مدينة السويس من أقاليم مصر المحروسة التي تشغل موقعًا هامًا على خريطة البطولات، وحيزًا واسعًا في تاريخ المجد الضارب في الأزمنة القديمة، حيثما ضرب قلمه ليكتب عنها انثالت منه الأفكار ..فمن أين يبدأ؟! من التاريخ القديم أم من تاريخها المعاصر؟!

وقف “التهامي” حائرًا؛ فها هي قد مضت مواكب الانتصارات والأمجاد سريعًا ولم تخلف وراءها مجدًا جديدًا واحدًا ليحياه، مر الزمن وطوى معه الأحداث والرجال، ووقف الشاب وحيدًا يخوض غمار المعارك التي سجلت أحداثها أقلام الساسة والمؤرخين ورجال الفكر، كما أرهف سمعه لكل من سبقوه وعاشوا أو عايشوا مدينته “هيروبوليس” ـ وهذا الاسم من أسماء مدينة السويس ـ ليسمع من أقاصيصهم، ولما لم يرتوِ أبحر بزورقه المتعطش لحكايات الأقدمين وسمع من أفواه العجائز سوالفهم..

لم تكن “هيروبوليس” هي البطل الوحيد وإن كانت هي البطل الحقيقي كما رأى بعضهم؛ فالتهامي في الواقع هو البطل الثاني الذى اقتطع من وقته الشاب الذي توهج في شيخوخة مدينته الذابلة، ليبحر في تاريخها القديم يلملم أشلاء المجد الغابر العابر محاولًا تجسيده في تلك الراوية القصيرة التي تعج بشخصيات كثيرة وأحداث أيضًا كثيرة ومتنوعة حتى أصابنا اللهاث ونحن نحاول أن نلاحق شخصياته وأحداثه التي لم يرهقه أن يمسك بخيوطها جيدًا، بل يحركها ببراعةٍ جيدة أيضًا، رغم أنها المحاولة الأولى له في اقتحام ميدان الرواية الوعر الذي ظل نظره فيها يرنو إلى الماضي بحبٍ وتوقير ويستشرف المستقبل بخوفٍ وأمل خافت.

ما أن تطرق مسامعنا “هيروبوليس” حتى تردنا إلى رواية الكاتب الألماني [أرنست جنجر (1895-1998)] المسماه “هيليوبوليس” .. غير أن المفارقة تبدو بعد مطالعة رواية التهامي إذ يحكي فيها عن مدينة واقعية بينما (جنجر) يقدم نموذج المدينة الخيالية التي اختفت ..

وهذا الذي وقر في ذهني حين باغتني اسم الرواية إذ تصورت أن التهامي سيخطفنا إلى مدينة خيالية لا تنتمي لأى مدينة أرضية ناهيك أن تكون مصرية حقيقية، وحقًا وٌفِق التهامى حين استعار هذا الاسم المقدس من شعلة الأغريق التي ألقت بظلال نورها ونارها على مصر.

إذن فرواية التهامي “هيروبوليس” تأتي داخل اطار هذا الجنس الخاص من الأدب الروائي الذي عكف على معالجته أكثر من روائي وتدور معالجاته حول “رواية المدينة أو مدينة الرواية” لتتبلور الرؤية غالبًا حول المقارنة بين مدينة الرواية ومدينة الواقع انعكاسًا أو اسقاطا؛ فليس مهماً أبداً أن “التهامي” عاش تلك الأحداث أو لم يعشها، نقلها أم اخترعها فلكم أغرم كتابًا بمدن كتبوا عنها ولم يزوروها فأندريه مالرو الكاتب الفرنسى المعروف لم يكن يعرف شيئًا عن الصين حين كتب روايته “الغزاة”..

غير أن أديبنا كان يعيش فى المدينة بل كان يعيشها ويعرفها وسار بعقله وقلبه على صفحات تاريخها يلتهمه التهامًا حتى غلبت نزعته ورؤيته التاريخية على التقنية الفنية للسرد الروائي انحيازًا لنقل الواقع مسلسلا.

إن الذين لاموا التهامي لأنه أوجز هذا العمل الكبير خلال صفحات روايته القليلة عليهم أن يلتمسوا له العذر؛ فالرواية مطبوعة على نفقته الخاصة، وكلما زادت الصفحات زادت الجنيهات..

أما الأمر الثاني فربما خاف الروائي الشاب من قرائه الشباب أن يخذلوه لو زادت روايته كمًا وكيفًا فيعرضون عن المضى فى قراءتها، مما دفعه ـ ثالثًا ـ إلى العدو نحو سرد حكاياته عبر شخصياته متنقلًا عبر الأماكن والأحداث ليدفعها أمام القاريء دفعة واحدة وكأنه هَمًا يحاول التخلص منه .

أما الذين لاموه لأنه جعل معظم صيغه الأسلوبية تدور في الزمن الماضي، فهذا ما لايجب أن يلومه عليه أحد خاصة وأن المساحة لم تكن تكفيه ـ كما أشرنا سابقًا ـ إلى التنقل بين الصورة الوصفية والصورة السردية مما نشأ عنه التوتر بين السرد والوصف، والاختلاف بينهما يكمن في أن الصورة الوصفية تصف ساكنًا لايتحرك..

أما الثانية فتدخل الحركة على الوصف أي تصف الفعل، والأخيرة هي التي ألح “الكاتب” في الطرق عليها خشية أن يفر منه عنصر الزمن، ذلك أن اللوحة فى الصورة السردية لاتتناول وصف أشياء أو شخصيات ساكنة وإنما تتناول الحياة أي الحركة، فمن المعلوم أن زمن الرواية يختلف عن الزمن العادي بتوقيتاته المعروفة.

وبالرغم من هذا فقد وقع التهامي في غرام ذكر بعض التفصيلات التي كان يمكنه الاستغناء عنها كأسماء بعض الشواطيء والكافيتريات ظنًا منه أن هذه واقعية، ويباح له هذا لو أن تلك الأسماء التي أوردها كانت مشهورة عند الكافة .. فهل ـ مثلًا ـ بلغت شهرة “راتب” شهرة “جروبي”؟!

وذكر عنوان وعدد زيارات “أمينة” العلاجية للقاهرة والمنصورة بالاسم والعنوان ولم يتبق إلا ذكر أرقام التليفون، كما أفلتت منه أحيانًا بعض الجمل التى جمعها وتستحق التثنية، ومرة راوحها بين التثنية والجمع وهذه ينفض منها “التهامي” يديه ليضعها في رقبة المدقق اللغوي .

إن “هيروبوليس” كعمل روائي تنتمى أيضًا فى جنس الرواية لما يسمى بـ (رواية الأجيال) مثلها في ذلك مثل ثلاثية نجيب محفوظ وكذلك رواية توماس مان (آل بودنبروكس) وهو ما يجب أن أوُصي به “التهامي” بمراجعة قراءة هذه الروايات وإن كنت أرى بعض التماس أحيانًا بين بعض شخصيات “التهامي” وشخصيات “محفوظ” من حيث التوجه العقائدي..

كما أوصيه أن يجعل (هيروبوليس) خبيئته المستقبلية فيعاود الرجوع إليها وبسطها في مساحة أكبر محاولًا وهو يتعامل مع مثل هذا النوع من الفن الروائي ككاتب أجيال أن يزاوج بين عالم الأمس وعالم اليوم، وأن يصب الخبرة والسيرة الذاتية في السيرة الغيرية موزعًا إياها على كل الأدوار تمامًا كما يفعل (محفوظ) مع التأكيد على تضييق الفجوة الزمنية للزمن الطبيعي فى الرواية؛ حيث أن للزمن الطبيعي ارتباطًا وثيقًا بالتاريخ وهذا من أهم ما يميز البناء الروائي في الثلاثية لمحفوظ من حيث الشكل الزمني المحدد بإحكام سواء في الأجزاء المختلفة أو في الثغرات الزمنية التي تفصل الأجزاء الثلاثة أو في الفصول المختلفة إذ نجد أن:

1ـ بين القصرين: من أكتوبر 1917حتى إبريل 1919 (19 شهر).

2ـ قصر الشـوق: من يوليــو 1924 حتى أغسطس 1927 (3 سنوات وشهر).

3ـ السكريــة: من ينايــر 1935 حتى 1944 (9سنوات).

إذًا فكل أحداث الثلاثية تمت في حوالي أربعة عشر عامًا إلا قليلًا في عدد صفحات [1436] صفحة تقريبًا.

من هنا تعلم كم كنت مغامرًا أيها (التهامى) عندما كرست هذا العدد الوافر من الشخصيات والتنوع في الأماكن والأحداث فى هذا العدد المتواضع من الصفحات التي لاتزيد عن المائة والخمسين صفحة على امتداد قرابة القرن من الزمان.

وبعد كل ما تقدم:

فهنيئًا للرواية العربية بفارس جديد، واعد، مقتحم، مهموم بقضايا وطنه .. فارس يشتاق زمن الفوارس البائد، يرنو إلى عصور الأمجاد والانتصارات والبطولات فلم يجد له دور فى الزمن الأخير غير أن يرصد الأمجاد فرصدها بتاريخية أكثر وفنية جيدة، رصد أقدام الزعماء الذين تشرفت أقدامهم بأن تطأ أرض “هيروبوليس”..

أأتمنى أن يرصد “التهامي” زعماء مصر وقد زاروا السويس تباعًا، وأن يرصد أثر هذا على معشوقته السويس، وهو المغرم بالتاريخ يرصد لفتاته، ولطائفه، وسكناته وحركاته، وموجاته المتحركة وما تثيره من تحريك للمياه الساكنة، وهذا ما يلاحظه قارئه في أعماله الأخرى التي صدرت بعد هذه الرواية.

أرجو أن يطمئن “يزيد” ـ وهو البطل الثاني من الجيل الثالث في الرواية ـ من أن جيلكم لن يتحمل خوض حرب جديدة أو الدفاع عن السويس/هيروبوليس إذا ما شن الأعداء حربًا عليها، وكذلك عليك أيضًا أن تطمئن يا “تهامي”.. فالخير باقٍ فيكم شباب هذه الأمة، وأنكم لم ولن تقلوا فروسية وجهادًا وبطولة وتضحية وفداء إذا ما جد الجد..

وليس أدل على ذلك أنك أنت الذي سطرت بقلمك الغض الفائر أحداث مثل هذه الرواية الرائعة التي قرأها واهتم بها شباب جيدون ومتحمسون من أبناء جيلك الواعدون، كما لا تنسَ أن الذى صنع نصر أكتوبر المجيد كانوا شبابًا في مثل أعماركم نبتوا على أرض هذا البلد الولود دائمًا بالرجال، وأنت من طليعة شباب السويس، ولهذا فقد التف حولك وحول أدبك الكثير منهم.

 

 

 

 

اترك تعليقك من فضلك

عن ياسين عرعار

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز