أَوْجَزْتُ لَك .. لِتَقْرَأ أَنْت – الحلقة 23 – / بقلم الدكتور : السيد إبراهيم أحمد – صحيفة ذي المجاز

أَوْجَزْتُ لَك .. لِتَقْرَأ أَنْت – الحلقة 23 – / بقلم الدكتور : السيد إبراهيم أحمد

 

 

  • الحلقة (23):

  • بقلم الدكتور : السيد إبراهيم أحمد .

  • إيجاز فصل “الشنتوية” من كتاب: “ترجمان الأديان”….

أسهب الدكتور أسعد الحمراني في تناول الشنتوية من خلال تسعة موضوعات، وهي: اليابان، تمهيد، عقيدة الشنتو، الخلق والانبثاق وفق كتاب الـ “كوجيكي”، الهياكل عند الشنتو، من أسس التربية الشنتوية في اليابان.
وقد اخترت أهم القضايا المفيدة والمهمة لتقديم الديانة الشنتوية بصورة شاملة، من خلال الآتي بيانه:

ــ عقيدة الشنتو:

الشنتو هي الديانة القومية لليابان، ذلك أنها الأكثر قدمًا، وهي موغلة في التراث الياباني المرتبط بالشمس التي تسيطر على معظم العبادات اليابانية، والشنتو كلمة صينية الأصل مكونة من مقطعين: “شين” تعني “روح أو إله”، و”تاو” تعني “طريق”، أي أن الشنتو طريق الإله، وهذه العقيدة ترتكز على الأساطير، فليس غايتها الحياة الآخرة، وليس بها ما يمثل أي تفكير عقلاني، بل تقوم على تعدد الآلهة الذي لهم اتصال ظاهر بمعلم من معالم الطبيعة، فالكواكب والأنهار والأسلاف والأباطرة لهم قداسة.

والشنتو تهني “طريق كامي”، وهي لا تصلح لا للترجمة أو التعريف بها غير أنها إذا قيلت فإنما تعني كل الأشياء التي كانت تستحق الاحترام، وتبعث على الرهبة لأنها فوق المألوف، تلك القوى الفائقة التي تمتلكها “كامي” وتعني هذه الكلمة في اليابانية “فوق” أو “أعلى”.

ويضم معتقدات الشنتو كتابان، هما: “كوجيكي”، و “نيهونجي”، فأما الكوجيكي فهي سجلات الآثار القديمة، والنيهونجي فهو سجل الأحداث التاريخية لليابان، والأول مكتوب 712م، والثانث 720م، وهذان الكتابان من أهم مصادر عقيدة وفكر ديانة الشنتو، إذ أن الشمس هي دائرة المركز في عقيدة الشنتو، وتسمى “أماتيراسو ــ أومي ــ كامي” ولها أخ ذكر يسمى “سوسا ـ نو ـ وو”، ولكن عقيدة الشنتو مزيج من المعتقدات السماوية والأرضية.

يدين اليابانيون بحياتهم وسعادتهم لنِعم المحسنين الأربعة “شي ــ أون”، والمحسنون الأربعة، هم: السماء والأرض، الوالدان، الحاكم، الشوجو “الكائنات الحساسة مثل “الحيوانات، الطيور، النبات”، والياباني يشهد بفضل الطبيعة وجميع الظاهرات الطبيعية والمجتمع كلهم أخوة.

فالشنتو لا تدعو إلى إله واحد، أو خالق للكون واحد، فعقيدة التوحيد غائبة عن فكر الشنتو، بل هم يؤمنون تمام الإيمان بتعدد الآلهة والمعبودات التي تحظى ببناء المعابد والهياكل وشكلوا لها الأصنام والتماثيل، كما أن للآخرة غائبة عن الشنتو فهو دين أرضي بامتياز.

ــ الخلق والانبثاق الوجودي وفق كتاب الــ “كوجيكي”:

إن عقيدة الشنتو تنطلق أساسًا من عبادة وتقديس الشمس من خلال الإله “أماتيراس”، و”صنم “أماتيراس”، وهذا الصنم من أهم الأصنام والهياكل والأولى بالعبادة، غير أنهم يؤمنون بتعدد آلهة منوط بكل إله منهم مهمة معينة، والكوجيكي يحوي بين دفتيه عقيدة الخلق حسب تصورهم والتي تستحضر العلاقة بين السماء والأرض عبر جسر يربط بينهما.

في اليابان الجزر والجبال والبحار، ومظاهر الطبيعة، مولود إلهي، ليسوا هم فقط وإنما الحكام والأباطرة المنحدرون من سلالة أماتيراس، وبعدهم الشعب الياباني المميز، ثم توالت عمليات الخلق والانبثاق حتى جاء انبثاق خروج العائلة الإمبراطورية من إله الشمس الذي أرسل ولده “ني ـ نيجي” ليحكم بلاد اليابان الذي تزوج من ابنة جبل فوجي، لينصب حفيد هذين الزوجين نفسه ملكًا وقيصرًا على اليابان، فكان أول قيصر ياباني.

مع دخول اليابان عام ستمائة قبل الميلاد كان موعدها مع أول امبراطور يحكمها وكان ياباني المولد، ثم تولى حكم اليابان من نسله 125 امبراطورًا آخرهم الامبراطور أكهيتو الذي تولى الحكم 1989م، لتكون هذه الأسرة أقدم عائلة حاكمة في العالم.

ــ الهياكل عند الشنتو:

الشنتو ليست إلا عادات اجتماعية، مبسطة سهلة في المعتقد، وهذا ما يحسه أتباعها تجاه طقوس هذه العقيدة الوطنية أكثر من دينية إذ يحسون بالولاء والانتماء للوطن عندما يؤدونها، ولذلك فيه لا تشك عائقًا أمام من يعتنقها في التعايش مع أي مذهب آخر جديد أو قديم، فهم يجتمعون على “كامي” غير أن الطريق الذي يوصل لهذا الإله يترك لكل طائفة الخيار في سلوكه إليه، والكامي يحقق لكل إنسان ما يريده في حياته وأرزاقه، وهذا المفهوم فرض على أتباعه قبول أشياء من السحر والشعوذة والتنجيم والأساطير، ومن الممكن أن يحل في الشمس والأسلاف، وكذلك العائلة الإمبراطورية وكل هؤلاء مقدسون، على أن الحج يقتصر على الأماكن التي تستطيع أن تكون مظهرًا لهؤلاء من يتحلون بهذا التقديس، وكل عشيرة تختص بهيكل معين تقدسه، كما يحجون إلى هيكل مدينة آيس على المحيط الهادي، وهو من أهم هياكلهم، وقد يكون اتجاهها نحو الجنوب وأحيانًا نحو الشرق، لكن لا تتجهان نحو الشمال أو الغرب، فهذان الاتجاهان لا يحالفهما الحظ، والهياكل المنتشرة باليابان شكلت أهم ركيزة من ركائز ديانة الشنتو، وهي تستهوي الكبار والصغار ويعشقون زيارتها.

ــ وقفة مع بعض الطقوس والمفاهيم الدينية للشنتو:

العناصر التي تقوم عليها العبادة الرسمية عند الشنتو أربعة، هي: التطهر ثم القربان ثم الصلاة ثم الوليمة الرمزية، وبالنسبة لصلواتهم فهي لا تخرج عن كونها عن ابتهالات وأدعية دنيوية سواء أدوها في البيت أو في المعبد، معظمها يدور حول الزراعة والمحصول الوفير وخاصة الأرز، غير أن النصوص ليست موحدة بل من الممكن أن يصيغ الكهنة صياغات أخرى تناسب الحدث أو المناسبة، واليابان تعج بالهياكل المقدسة التي تكاد تقترب من المائة ألف إلا قليل، ومن أجل هذا فقد تأسست جمعية الهياكل الشنتوية عام 1946م، ومع هذا فإن العابد الشنتوي لا يلزمه أن يصلي في المعبد فهو ييؤدي صلاته صباح مساء في هيكل منزله، فهو يتوضأ ثم يقف أمام الهيكل خاصته، فيصفق مرتين ثم يبدأ في تلاوة الابتهالات.

غاية الشنتوي تحقيق السعادة الدنيوية أقصى ما يستطيع، فالديانة التي يؤمن بها لا تقيم للآخرة وزنًا في طقوسها وشعائرها، والموت بالنسبة لهم مجرد جسد سيلقى في منطقة ملوثة، أما الروح فستتحرر من إسار الجسد لتنطلق وحدها لتتحد بالقوى الطبيعية، وهذا المفهوم يلتقي مع مفهوم الهندوس في أن الروح المتحررة من سجن الحسد ستتحد بالروح الكلية، لكن هذه النظرة التي تمجد الحياة، ولا تلقي بالًا للموت لا يمنعها من تقديس الأسلاف الذين رحلوا والاحتفال بهم عبر طقس سنوي يسمونه “أوبون” يوم أرواح الأهل، ويتم في شهر يوليو من كل عام ويهتم به اليابانيون جدًا في قراهم التي يعودوا إليها حتى لو كانوا من ساكني المدن، إذ يعتقدون بأن أرواح الأسلاف ستعود إلى أماكنها الأرضية خلال هذه الفترة، فيضعون شعلة أمام كل بيت لتسترشد بها الأرواح في طريق العودة، وبعد يومين يضعون الشعلة خارج البيت لتعرف الأرواح طريقها عند الخروج من البيت.

ـ الأسرة والمرأة في اليابان:
انطلقت الحياة في اليابان عبر زواج إلهي أنتج الأباطرة الذين مازالوا يحكمون اليابان حتى الآن، وبحسب نصوص كتاب الـ “كوجيكي” فإن العلاقة التي تمت على أساس المجتمع الذكوري، الذي لا يصح أن تقدم أو تسبق المرأة له، ولذلك فاليابان جنة الرجل، إذ حفظت له النصوص مركزًا مهيبًا في الأسرة حتى الآن في الديانة الشنتوية.

وهذا التفضيل الذكوري لم يحظَ به رأس الأسرة فقط بل ونال الأبناء الذكور من الامتيازات والحقوق التي تفوق حظوظ ودور البنات في نفس الأسرة الواحدة، وهذا مرده أن تقديس الآباء والأجداد لا يمكن أن يقوم به إلا الأولاد الذكور دون الإناث.

وهذا التفضيل وهذه المكانة للرجل في الأسرة اليابانية لم يكن يجعله يستريح أو يفتخر بل جعله مسئولًا ويتفانى في سبيل رفع شأن بلده ثم مؤسسته التي يعمل فيها ذلك لرفع شأن أسرته المسئول عنها، هذا الأمر هو الذي جعل الفتاة والزوجة اليابانية على الصبر وتحمل غياب زوجها عنها لوقت طويل دون أن تشتكي أو تتململ بل تصرف هي الأخرى وقتها لرعاية بيتها وأسرتها والتوفر على تعليمهم وتربيتهم، إذ عليها أن تقوم بدور الأب الغائب.

وعلى الرغم من أن الشنتوية دين أرضي دنيوي، ويرحب بتعدد الزوجات مع اكتفاء المرأة برجلها، ألا أن الزواج عندهم يبدأ بمسحة دينية ثم يتممون إجراءات المدنية الدنيوية فيما بعد، فالزواج مازال يتم داخل المعابد الشنتوية وطبقًا لطقوسها، ولهذا فما زال المجتمع الياباني متماسك تقليدي محافظ لم تغزه الإباحية التي أصابت أوروبا وأمريكا.

القليل من النساء اليابانيات اللوائي تبوأنَّ مناصب قيادية وذلك ليس عدم كفاءتهن ولكن لتركهن العمل من أجل الأعباء المنزلية الملقاة على كاهلها، كما أن الترابط الأسري الذي تعيش فيه اليابان امتد أثره في تكريم الأبوين، إذ يحرص الأبناء على تكريم والديهم والحرص على أن يقيما معهم في بيت واحد، كما يعيش الأخوة متضامنون على أهبة الاستعداد عند نزول النوازل، وهذا النظام الأسري قائم على التعاليم الشنتوية الذي نما مع الزمن وساهم في هذا الاستقرار.

ــ الواقع الديني في اليابان اليوم:

يتمتع الياباني بحرية دينية كفلها له الدستور الياباني الصادر عام 1946م لكن هذا لا يؤثر في العقيدة الشنتوية التي تتجذر في قلوب وعقيدة الشعب الياباني فالإمبراطور ما زال هو رمز الوحدة عند اليابانيين، وعبادة آلهة الشمس، والأسلاف والهياكل المنتشرة، وطقوس الزواج والجنائز كلها من الأمور التي أصبحت تراثًا وتاريخًا منحوتًا في ذاكرة الوجدان الياباني.

عايشت البوذية الشنتوية الذي أصبح يدين بها حوالي 80% من الشعب الياباني الذي صار يزواج بين طقسيهما حتى صار بوذيًا شنتويًا؛ إذ كانت البوذية من أول الديانات التي دخلت اليابان في وقت مبكر من القرن السادي الميلادي، ولكنها تغلغلت في بطء عبر التركيب الثقافي والاجتماعي في بنية الشعب الياباني حتى استطاعت أن تأخذ لها مكانًا في عقيدة وعقلية وقلب ووجدان الياباني، أم الكونفوشوسية التي استقرت في الصين لم يعد لها أتباع يذكرون في اليابان، أما المسيحية فقد دخلت قديمًا اليابان على يد المبشرين الجزويت غير أنهم وجدوها تمثل خطرًا على الوحدة اليابانية فأعملوا فيهم القتل في عهد الإمبراطور توكوجاوا لكن المسيحية عادت حتى صار لها أتباع يبلغون أقل من المليون نسمة بكثير من أتباع المذهب الكاثوليكي والبروتستنتي.

دخل الإسلام اليابان في عهد الإمبراطور ميجي الأول في عام 1890م وذلك عندما رست باخرة تركية وقابل من فيها الإمبراطور ليمكثوا ثلاثة أشهر أسلم خلالها ياباني واحد تسمى بعبد الحليم الذي وفد على تركيا ليتعلم علوم الإسلام في عامين ثم يعود مبشرًا بين قومه به، وقد تم بناء أول مسجد في العاصمة اليابانية طوكيو عام 1938م عبر التبرعات على يد الشيخ التركي الأصل عبد الرحمن قربان، لتتوالى بعدها المساجد والجمعيات الإسلامية غي أن عدد المسلمين اليابانيين حوالي 200 ألف مسلم.

من هنا نعلم مدى تمسك الشعب الياباني بالبوذية الشنتوية التي تتوزع على مئة مذهب وجمعية، ويتبقى أن مجموع المسلمين والمسيحيين من اليابانيين يكاد يبلغ المليون نسمة، من مجموع الشعب الياباني الذي يبلغ تعداده 128 مليون نسمة.

مع الحلقة القادمة نبدأ قراءة إيجاز آخر الفصول معنا وهو الفصل الخاص باليزيدية، حتى هذا الحين ألقاكم على خير وعلم وثقافة.. دمتم في أمان الله..

عن ياسين عرعار

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز