أَوْجَزْتُ لَك .. لِتَقْرَأ أَنْت – الحلقة 17 – / بقلم الدكتور :السيد إبراهيم أحمد.

 

  • أَوْجَزْتُ لَك .. لِتَقْرَأ أَنْت 
  • الحلقة (17):
  • كتاب “مشكلات فلسفية 1ــ 2”

 

أوجزت لك كتاب “مشكلات فلسفية” الصادر عن دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر بدمشق، عام 2016م، ويقع في (175) صفحة، ويضم خمسة عشر فصلًا، ومقدمتين، المقدمة الأولى منهما لمترجم الكتاب الأستاذ سمير عبده، والمقدمة الثانية للكاتب الفيلسوف برتراند راسل، وتنتهي بثبت بالمصطلحات الواردة بالكتاب.

يوضح المترجم في مقدمته الأسباب الداعية إلى إعادة نشر الكتاب على الرغم من كونه قد تم صدوره سابقًا، وهو أن الطبعة السابقة الصادرة في ستينيات القرن العشرين للكتاب صدرت وقد تم حذف بعض الصفحات والسطور منها مما أصابها بالتشويه، كما قدم المترجم تعريفًا ببرتراند راسل وملامحه الأساسية في مشوار حياته بصفة عامة والفلسفي بصفة خاصة من حيث التزامه بالواقعية الجديدة، والذي يأتي مضادًا للمثاليين.

ولد برتراند أرثر ويليام راسل في الثامن عشر من مايو 1872 وتوفى في الثاني من فبراير 1970 عن عمر يناهز الثامنة والتسعين عامًا في ويلز بانجلترا التي عاش بها معظم حياته، وهو فيلسوف وعالم منطق ورياضي ومؤرخ وناقد اجتماعي، يعد أحد مؤسسي الفلسفة التحليلية، كما يعتبر من أهم علماء المنطق في القرن العشرين. له العديد من المؤلفات التي تربو على المئة كتاب التي تعكس غزارة علمه، وتنوعه.

تكلم الفيلسوف برتراند راسل الحائز على جائزة نوبل في مقدمته لكتابه الذي بين أيدينا، والتي تميزت بالإيجاز الشديد موضحًا أنه لم يتناول إلا المشكلات الفلسفية وبشكل يتميز بالإيجابية، وقد عمد إلى نظرية المعرفة شرحًا وتوضيحًا أكثر من تناوله للنظريات التي تتسم بما وراء الطبيعة، ثم تناول النظريات الأخرى بشيء كبير من الإيجاز دون الوقوف أمامها طويلا.

لن يستطيع القارئ لهذا الكتاب أن يتجاوز فصلًا ليقرأ فصلًا تالٍ له، وإن فعل فلن يستطيع إلا أن يكر راجعًا إلى الفصل السابق عليه؛ فقد أتقن برتراند صنعته من حيث بناء هيكل كتابه بطريقة المدرجات أو الطبقات الصاعدة التي أحكم بها سيطرته على القارئ ليس فقط في ترتيب الفصل بل في ترتيب وتركيب الفصل الواحد في بنائه الداخلي بحيث لا يترك للقارئ فرصة الترك أو التقدم وحده يصول ويجول في الفصول والأفكار كما يعن له، وقد جاءت فصول الكتاب معنونة بحسب ترتيبها التسلسلي، على النحو التالي:

الفصل الأول: الواقع والظاهر:

يفرق راسل في هذا الفصل بين الإحساس وبين الحقائق الحسية، وعلاقتهما بالأشياء المادية، وكيف أن الأسئلة غايتها إثارة الفلسفة وليس الإجابة عنها.

الفصل الثاني: وجود المادة:

وهو مبني على الفصل السابق من حيث وجود المادة حقيقة أم خيالا، ومن حيث كون وجودها في الواقع وجودًا مستقلًا عن ذواتنا، ويتناول ديكارت وشكه.

الفصل الثالث: طبيعة المادة:

حين تناول راسل وجود المادة دون أن يبرهن عليها، يتناول خاصتيها من حيث الوجود في مكان ما وقدرتها على الحركة، بما يعرف بالحركة التموجية.

الفصل الرابع: المثالية:

يرى راسل أن المثالية تتصل بأسسها بنظرية المعرفة وعما إذا كانت موجودة في ذهن الله أو في ذهن العقول التي لا يستدعي تصور المادي موجودًا من عدمه.

الفصل الخامس: المعرفة بالعيان، والمعرفة بالوصف:

يرى راسل أن المعرفة نوعان منها ما يتصل بالأشياء أو الحقائق، ويخصص هذا الفصل لهذا النوع من المعرفة العيانية الوصفية.

الفصل السادس: في الاستقراء:

وهو استخلاص النتائج باستقراء الحقائق الحسية عن المادي الذي وقع في الماضي، والذي نتوقع أن يحدث في المستقبل بما يشبه اليقين لتكرار وقوعه.

الفصل السابع: في معرفتنا بالمبادئ العامة:

يرى راسل أن هناك مجموعة من المبادئ العامة مثل قوانين الفكر هي التي تدعم فينا الاستقراء بيقين عن معرفتنا بحدوث الأشياء وفطريتها.

الفصل الثامن: كيف تكون المعرفة القبلية ممكنة:

يوازن راسل هنا بين المدرسة النقدية ورائدها كانط، ودافيد هيوم وعلاقتهما بالمعرفة القبلية، من كونها تحليلية أو تركيبية، وجدال لم يحسم.

الفصل التاسع: عالم الكليات:

يرى راسل أن أفلاطون كان أكثر توفيقًا حين أوجد عالمًا فوق المعقول هو عالم الأفكار الذي لا يتغير، وأن الكليات تتصل بالألفاظ التي نعيرها اهتمامًا أكثر.

الفصل العاشر: معرفتنا بالكليات:

يرى راسل أن معرفتنا بالكليات تتوقف على النوع إذا كان عيانًا أو وصفًا أو كان عيانًا ووصفًا في نفس الوقت، ويجب علينا أن نختبر معرفتنا جيدًا.

الفصل الحادي عشر:

في المعرفة الحدسية: يناقش راسل تلك المعرفة الحدسية الت لا تستند على دليل ويمون منبعها الإحساس، وهي تتعارض مع أولئك الذين يظنون أنه لا بد من دليل.

الفصل الثاني عشر: الحقيقة والخطأ:

ويدور حول ماهية الحقيقة؟ وماهية الخطأ؟

الفصل الثالث عشر: المعرفة والخطأ والرأي المرجح:

وهو مبني على الفصل السابق في التعرف على ما يجعلنا أن نحكم على هذا الأمر بأنه حقيقي أو خاطئ وهذا ما يمتد للمعتقد.

الفصل الرابع عشر: حدود المعرفة الفلسفية:

وهو فصل سأوجزه لاحقًا.. وهذا لأنه يقوم وحده بموضوعه منفصلًا عن الفصول السابقة واللاحقة عليه..

الفصل الخامس عشر: قيمة الفلسفة:

يرى راسل أن الفلسفة قيمتها في إثارة الأسئلة وليس وضع الإجابات، فالأسئلة “شك” والإجابة “يقين”، واليقين معناه الحيلولة دون التفكير والتأمل.

يأتي الفصل الرابع عشر من الكتاب، وعنوانه: “حدود المعرفة الفلسفية”، منفصلًا عن الفصول السابقة عليه من حيث الخط الدرامي العام للكتاب وإن كان لا ينفصل تماما عن راسل الذي يقدم أطروحاته من خلال أفكاره المنهجية التي طرحها مسبقًا، بيد أن الأهمية هنا تعود لفائدة قارئ الفلسفة في التعرف على آراء الفلاسفة الآخرين ورأي برتراند راسل فيها وتفنيدها، وهذا ما يعطي مساحة لتفهمها ونقضها وتقبلها كذلك.

كان أن ذكر برتراند راسل في مقدمته أنه سيتناول إلى بعض الموضوعات الفلسفية التي شغلت أذهان بعض الفلاسفة زمنًا غير أنه لن يتوقف عندها بالفحص طويلًا، وهو بعد أن أنجز فصوله السابقة على هذا الفصل ومجموعها ثلاثة عشر فصلًا أمكن أن يعرض من خلال تعرضه للمادة فيها إلى طرح الكثير عن منهجه في تناول الفلسفة وقيمتها التي أرجأ الحديث فيها عن تلك القيم في الفصل الأخير وهو المتمم لكل ما يدور حول الفلسفة والفلاسفة من وجهة نظره.

يكشر برتراند راسل عن أنيابه الفلسفية صراحة والتي سبق أن ذكرها في الاستدلال والبراهين القَبلية والتي ناقش علاقة معرفة الإنسان بعالم الأشياء وعالم الحقائق، وأن الصعوبة تكمن في تلك المنطقة والاعتماد على قراءتها بالتجريب أو العقل أو بالمعرفة الحدسية واتصالها بالصواب والخطأ، ومعرفتنا بالكليات، وينصب كلام راسل هنا ينصب على غالبية من الفلاسفة يقيمون براهينهم وأدلتهم على قواعد من المعرفة اليقينية الميتافيزيقية التي تستند على تلك الحقائق التي يرسخها الدين أو تلك التي تستند في أساسها إلى المعقول من الكون وجوهره في ثباته، ودوامه، وتكراره، دون أن تنصرف إلى أدلة أو براهين أخرى تستلزم إعمالًا أكثر للفكر.

ويرى راسل أن الاستدلال بما وراء الطبيعة هذا لا يصح أن يقام عليه برهان أو أن يكون هو استدلالًا، وأن الإطار الكلي في تفسير الكون برمته هو أيضًا اتجاه خاطئ، وحجته في هذا أن هذه البراهين التي يسوقها معظم الفلاسفة لم تخضع للاختبار أو التجريب أو التمحيص، ومن هنا فهو سيتعرض لها عند كل فيلسوف ويناقشها، ويفندها، ويقدم الحجج على نقضها.

ونلتقي مع برتراند راسل وحديثه الممتع لمحبي الفلسفة والتفكير الفلسفي في الحلقة القادمة، إن شاء الله..

اترك تعليقك من فضلك

عن ياسين عرعار

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز