أَوْجَزْتُ لَك .. لِتَقْرَأ أَنْت – الحلقة 16 – / بقلم الدكتور :السيد إبراهيم أحمد

  • بقلم الدكتور : السيد إبراهيم أحمد .
  • الحلقة (16):
  • كتاب: “روائع البيان، تفسير آيات الأحكام من القرآن 2ــ 2”

سورة النور مدنية بالإجماع، وتشتمل آياتها على أحكام عامة خاصة بالأسرة المسلمة، وتدور حول: كيف نستأذن قبل الدخول على أحد، والبصر وكيف نغضه، والفروج كيف نحافظ عليها، والاختلاط وحرمته، وغيرها من الآداب العامة، التي غايتها العفاف والستر، والتي بدون الالتزام بها تهلك الأسرة، فالمجتمع، ثم الدولة بالتبعية.

ويأتي اسم السورة استمدادًا من الآية الواردة بها: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لّا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:35]، تشير الآية لنور الله الذي يملأ السموات والأرض، والذي يشع بأنوار الأحكام التشريعية التي تنير قلوب المؤمنين، وبيوت المسلمين التي تحميها من الشرور والرذائل باتباع الهوى، والبعد عن نهج الإسلام القويم فيما يبتغيه من خير لعموم أتباعه.

تبدأ الصفحات بالتحليل اللفظي للكلمات الواردة بالآيات، وهي:

﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ﴾: طلبًا للدخول، والمقصود به الخدم بالبيت، وأولاد المطلوب منهم الإذن، و﴿الْحُلُمَ﴾: والمراد الاحتلام، وأن يصير الطفل بالغًا، و﴿عَوْرَاتٍ﴾: ومفردها العورة وهي السوأة، و﴿الْعِشَاءِ﴾: المراد بها العشاء الأخيرة، أي العتمة، فالمغرب هو العشاء الأولى، و﴿طَوَّافُونَ﴾: جمع طوٍّاف، والمقصود بها من يطوفون حول السادة للقيام بخدمتهم، و﴿الْقَوَاعِدُ﴾: جمع قاعد، على وزن حائض وطامث وحامل لاختصاصها بالنساء، باعتبار قعودها عن الولادة وأن تحيض، أو تتزوج، و﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: والتبرج من الظهور والتكشف مقرونًا بالتزين أمام الرجال.

ــ والمعنى الإجمالي للآيات فموجزه كما يلي:

يخاطب الله تعالى المؤمنين، أن يأمروا عبيدهم الغلمان، وأطفالهم غير المكلفين بالدخول عليهم بعد طلب الإذن منهم، في ثلاث أوقات: ﴿الْفَجْرِ﴾، ﴿الظَّهِيرَةِ﴾، ﴿الْعِشَاءِ﴾، لأن هذه أوقات السكون والارتياح، مما قد يكون فيه خروج من الستر بالتخفف من الملبس، فإذا انقضت هذه الأوقات فلا يلزمهم طلب الإذن، وهم سيطوفون حولكم للقيام بمهامهم في خدمتكم، والله تعالى لا يقصد إعناتكم بل شرعه من أجل ما يصيبكم من منافع ومصالح، فإذا كبر الصغار وصاروا في مصاف الرجال، فعلموهم أن يلزموا الاستئذان، وأما النساء اللوائي بلغن سن الشيخوخة وزهدن في الزينة والرجال، ولسن مطمعًا لهم، فلا ضير أن يتخففن من بعض الملابس التي تلزم من تخشى منهن الفتنة، ذلك كان خير لهن.

ــ وسبب نزول الآيات، ما يلي:

ما روته السنة المطهرة وورد بالحديث من شكوى إحدى الصحابيات لرسول الله صلى الله عليه وسلم من دخول الخدم والغلمان عليهم، ومن رجاءٍ حار لله تعالى من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فنزلت هذه الآية، فخر لله ساجدًا، وهذه من موافقاته مع كتاب الله.

ــ لطائف تفسير الآيات:

﴿مِنكُمْ﴾: وردت للفصل بين الخدم وهم من العبيد، وبين أطفال المخاطبون بالآية لنسبتهم إليهم لكونهم من الأحرار.
﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾: المراد به ثلاث أوقات وليس تكرار طلب الأذن.
﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ﴾: اقتران “حين” بوقت الظهيرة لقصر وقت الراحة، ولم يقرنهما بالوقتين الآخرين لمعلوميتهما بداهةً.
﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾: دلت العورات على الأوقات لكثرة التكشف فيها.
﴿أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾: والمراد إطلاق الكل وإرادة الجزء، فليس المقصود كل الثياب بل بعضه.
بدأت الآيات بخطاب المؤمنين، والمقصود بهم الرجال على الراجح، وقد ذكرت بعض كتب التفسير أن الخطاب يشمل الرجال والنساء معًا بتغليب الرجال على النساء كما هو الشائع في اللغة، والنداء لمن هو مؤمن ولذا فهو يشمل المسلم والمسلمة، وهذا هو الحكم الشرعي الأول من الآيات.

أما ثاني تلك الأحكام وهو ملك الأيمان الوارد بالآيات، ويفهم من منطوق الآيات أن المقصود به الذكور والنساء من الرقيق، كبارًا كانوا أم صغارًا، والأمر مرهون بالأوقات التي يغلب فيها التكشف، وكما مُنِع الأطفال من الدخول بغير طلب الإذن، فالخدم والعبيد يسري عليهم نفس الحكم.

ويتناول الحكم الثالث نوعية المخاطبين من العبيد والأرقاء، وإن كان فُهِمَ من النص أن الخطاب للصغار إلا أن المقصود به الكبار، فهم أساس التكليف في الخطاب.

يتناول الحكم الرابع اختلاف العلماء حول الاستئذان بين الوجوب والندب، أما وجوبية طلب الإذن فقد اختارها بعض أهل العلم، على أن المختار هو رأي جمهرة العلماء على أنه من الاستحباب والتعلم.

يتناول الحكم الخامس، اختلاف العلماء حول تقدير سن التكليف، فإذا كان الاحتلام دلالة على أن الولد صار بالغًا، دل الحيض والنفاس والحمل أن الجارية (البنت) صارت بالغة أيضًا، وانقسموا حول تقدير السن إلى رأيين:

ـ الرأي الأول، وهو ما اشتهر من قول الأحناف: أن سن البلوغ ثماني عشرة سنة.
ـ الرأي الثاني، للشافعية والحنابلة، ورأي لأبي حنيفة: وقد اختاروا سنًا واحدًا لبلوغ البنت والولد وهو خمس عشرة سنة. والاحتلام هو الرأي الأرجح عند جمهرة العلماء.

الحكم التشريعي السادس تناول “إنبات الشعر” كدليل على البلوغ، والراجح أن أغلب أهل الفقه أخذوا بالاحتلام، أو بالسن وهو خمسة عشر عامًا، علامة على البلوغ، وحتى البقية من أهل العلم لا يقرون بالإنبات دليلًا عليه.

يتناول الحكم الشرعي السابع، أمر الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم بأداء العبادات، والأوفق بين رأي العلماء أن الأمر على العقل لا على البلوغ، فمن عقل منهم يستحب له القيام بذلك من باب التعليم لا من باب التكليف، أملًا في التعود.

يتناول الحكم الثامن، تحديد المراد من الآية رقم (60) بـ “وضع الثياب”، وهو تخفف المرأة العجوز من ثيابها والمقصود به الجلباب والخمار أمام الرجال الغريبين عنها، وهذا لكونها لم تصر مرغوبة، وليس فيها ما يفتن، وليس المراد هو تجردها من الثياب، والأمر ليس على الغالب في العجائز، إلا من تركت الزينة منهن، أما تلك التي ما زالت تحب التزين والظهور فالأمر لا يشملها، والستر لها أوجب.

ــ التحليل للألفاظ الواردة بالآيات:

1ـ الحث على طلب الإذن قبل دخول من يخدمون في البيوت من الكبار والصغار سواء كانوا رجالًا أم نساء على أصحابها في أوقات الخلوات.
2ـ يجب على الوالدين تعويد أولادهم على طلب الإذن قبل الدخول عليهم في الأوقات التي حددتها الآيات.
3ـ تحديد أوقات طلب الإذن يرفع الحرج عن العاملين بالمنزل في طلب الإذن بالدخول في باق الأوقات.
4ـ من الأفضل للمراهقين من الأولاد أن يطلبوا الأذن بالدخول في كل الأوقات، فهذا أفضل، فقد ينسون الأوقات المخصوصة، وهذا من باب التيسير.
5ـ يجب أن تحترز السيدة المسلمة من خادمها إذا تجاوز سن الصبيان إلى الرجال.
6ـ المرأة العجوز الراغبة في عدم التزين زهدًا منها في ذلك، لا تكلف نفسها التستر الشديد، وتلتزم بالتخفيف للتيسير عليها، ولو أمام الرجال الأجانب عنها.
7ـ الشابات والعجائز اللوائي يرغبن في التزين، يجب عليهم التستر أمام الأغراب من الرجال.
8 ـ الشرائع التي فرضها الله تعالى على المؤمنين، رحمة منه سبحانه بهم، وهي لحكمة لا يعلم مرادها إلا هو، فوجب منهم الالتزام.

ـ حكمة التشريع في هذه الآيات:

الإسلام دين جاء برسالة غايتها إصلاح الكون كله من خارجه، والبيت الإسلامي من داخله بتعبيد الطريق بالقيم والآداب الكريمة، ولهذا لم يغفل أي أدب في أي ميدان من ميدان الحياة، في السلم والحرب، ومن هذه الآداب التي تلك التي تتصل بالمجتمع، والتفت إليها بعناية بالغة لما لها من أهمية، هو أدب الاستئذان.

وهي عملية تنظيمية غايتها تنظيم الدخول بعد طلب الأذن من أهل البيت، في أوقات ثلاث يستريحون فيها فيتخففون فيها، لكي لا تقع أبصارهم على ما لا ينبغي لهم أن يروه، ومن هؤلاء الذين ينبغي لهم طلب الإذن، العاملون في البيت من الخدم، وصغار الأولاد، فقد تعلق في أذهانهم تلك الصور التي رأوها، فتصيبهم بأمراض تتصل بالنفس والخُلُق.

والباحث عن هذه الآداب في غير البيئة الإسلامية لن يجدها، لأن هذا الدين إنما شعاره الوقار والتبجيل والاحتشام، والسِتر والبعد عن التكشف، وعدم إظهار الزينة من المرأة سواء الشابة أو العجوز أمام من لا يحل لها من الرجال.

في نهاية هذه الحلقة .. أترككم في سلام، وألقاكم في الحلقة القادمة مع كتاب موجز جديد.. دمتم آمنين…

اترك تعليقك من فضلك

عن ياسين عرعار

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز