الشاعر ياسين عرعار

قصة – بـمن تـزوّجـت زيـنـب ؟!!! / بقلم : ياسين عرعار

 

  • قصة .
  • بـمن تـزوّجـت زيـنـب ؟ ! ! ! .
  • بقلم :- ياسين عرعار . 

أخــيرا تـحـصّل على الشّهادة التـي حـوّلت الـحلم نصف حـقيقة ..! يعـود إلى القرية بـعد أربع سنوات من الدّراسـة الـجامعيّة … إلى رحم الأسرة التي طـالـما عبثــت بشـراعـها أعـاصيـر الـحاجة و أمـواج الفـقر ، يعـود و ما فـي يده البيضـاء غيـر رائحـة عـطر قـديـم يـفـوح !..

 

أخذتـه نشـوة الـلّقاء ، راح يتـأمل جـدران الـبيت ، يـحدّق فـي كلّ الأشيـاء بنور خافت ملؤه الصّـبابة ، يلمسـها ، يتحسّـسها بأنامـله ليجدها كما هـي ، حتـّى الصّخرة التـي اعـتـاد الـحديث إليـها لا تـزال مطـلّة على شـباب الـقريـة ، تداعـب دفء الـكوخ … مسـاءهـا تـقدّم نـحوها بـخـطى مسـرعـة لـتحتـضنـه و يسـتـعـيد شـريـط الذكريـات .

 

يعانـق الـطّـفـولة بـين الأريـج و أشـجـار الـصّـفـصاف و صـوت العصافـيـر و لـحن الـسّواقي … الـقريـة لـم تـتـغيّـر ، بـل مازالت تلـبـس ثـوب الفـضيـلة الـمطرّز بعـاداتـها و تـقاليـدهـا الـبريـئة بعيـدة عـن مـوضـة الـعصـر و زيـف الـمدينـة ، مـسـتـقرّة فـي مـحراب الـبساطـة على رداء الـطّبـيعـة السّاحرة .

 

استـفاق فجـأة على زغـاريد تنـبعـث في هـذا الفـضاء الرّحـب ، يغازلـهـا نسيـم يـدندنه ريـق الـشّـجر الـمنسكب علـى أهـداب الـزّهر الـمترنّح على ضـفّة الأفـق الباسـم ، استرقّـها سـمـعه ، لكنـه سرعان ما طـلّق الابتسامة و الطّـفولة ليبحـر صـوب بّـوابـة الاغـتـراب بعـد أن ضـاقـت من الـكـلام الـموالـج و صـعبـت منه الـمخـارج ولا أقـلّ لـلذّكرى من أن تكـابـد دفاتـر الأيّـام !.

 

« إنّـك ستـذهب معنا يا أحمـد ! الـيوم ستزفّ – زينـب – ابنـة عمّـك » …

 

قالتـها و مضـت ، مضى بدوره يـمزّق شرنـقة القرية ، ساقـته الزّغاريد إلى لوح السّراب ليـرسم حـفل زفـافه ، جـمالـهـا كجـمال الـوردة الـنّاظرة ، لو اجتـمع الشّعراء من حولـها ما أنصفوها جـمعت بيـن الأنوثة و آي الـملاحـة ، ” أسـماء ” يغـازلـها ضـوء النـّهـار ، تربتـه .. بـنت قـريتـه … رفـيـقـة دراستـه منـذ البـدء جـمعـهما الـحرف و هـمس الـيـراع فـي أذن الأوراق فـتبادلا حبـّا بـحـبّ ، لكـنّ إشـراقـة الـهوى بـدّدهـــا ضبـاب الـميول الـذي أبدتـه ” أسـمـاء ” لأستـاذهـا ، ذاك هـو ابن الـمدينـة الـمميّز بـربطة الـعنـق و تسريـحـة الشّـعر و حقـيـبـة الأوراق …

 

« ما بالـها استـسلمت للمظاهر الـخدّاعة ؟! و كيف يتـعلّـق الأستـاذ بتلميـذته ؟ !!…».

أسئلة ردّدهـا فـي نفسـه قائـلا : –

 « الـشّمس لا يـحجـبها الـغربال !…» .

 

نتـائج الامتـحان النّهـائي أيضا لـم تـحـجب طويـلا ، شـاهدها مرصـّعة بتـاج البـياض تزّف لـفارسها الذي اخـتار عفـتـها قبل أن يـختار جـمالـها ! … فرّت منـه فرحة النّـجاح في الامتـحان و سقطت دموعه لتموت فوق بيـاض رسائلها الـمزيّفة … ليلتـها كـان القمر واقـفا على قـمّة الـجبـل الـشّامخ و الظّلمة تلبسها كدادة الشّفـق الـمتناثر … رفض التّوظيـف في قريتـه و رحل مكسور الـخاطر مع أوّل شـعاع من نور الصّـباح ، طـارقا أبواب الـجامعة ، تاركا وراءه أسرة رهينة الفقر و جرحا يغمد فيه سيـف الـزّمـن .

 

تـميّز عن غـيره كـعادته لا تكـاد تـراه يتـحدّث مستـصرخا إلاّ أثنـاء الـمناقشة للمــواضيع الـحسّاسة …

 

– قلـت لـك : – « هـذا خطـأ !…» .

 -«ليس المقصود ذاك يـا دكتـور ، طريقـة الـتّدريس مرتبطة بشخصيّـة الأستـاذ طبعـا »

 

يؤيّـد ما توصّـلت إلـيه الـعلوم الـحديثة ، لكنه في قراره نـفسه لا يعترف بذلك مـقرّا…

 

« إنّ الذي يـحبّ لا بدّ أن يكون أستـاذا !… ».

 

و يتـيـه في جـرد الـتّماثيل الـبشريّة و عرض الـطبّيعة الـمتنكّرة ، ينظر إليهنّ نظرة احـتـقار و قد تستّـرن بقناع الـمساحيـق ، فيـهن حـثالة الـغرب ، لـبسن الـحضارة بالـمقلوب ، مارسن الـحريّة بالانسلاخ من الـفضيلة و طـقوس الـزّواج عـندهنّ صفـقة تـجـاريّـة .

 

« قريبا سأؤدبكن يا مـتشدّقـات … » .

 

يـمقت تلك السّـلوكيات و ينبـذها خاصّـة و أنـّها لا تـمتّ لـلأستاذيّـة بشـيء من الـصّلة و لـم يعهدها فلسـفة في قـاموس الـمتخّلقـين .

لـحظتها ربّـتـت على كـتـفـه تـخاطبه : –

 

« أحـمـد … أحـمد … سنـذهب الآن يا ولدي! » .

الـتـفت إليـها بشيء من الانــكسار ثم قال : –

 

 « بـمن تزوّجـت زينـب ؟! ! ! ».

____________

 تـمّــت القصّـة .

  بقلم / ياسن عرعار  يوم 07 سبتمبر 1993

  • ملحوظة :
  • أحداث القصة وقعت سنة 1990-1991
  • الأسماء الواردة في القصة مستعارة.
  • نشرت القصة بالجريدة الوطنية الجزائرية « النصر » يوم السبت 16 أكتوبر سنة 1993
اترك تعليقك من فضلك

عن ياسين عرعار

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز