ربوع الخالدين / أحمد الشيخ علي

قصة رمز الخيانة فيها ( أنا ) الحفيد الوريث!
ربوع الخالدين

لست أدري بالتّحديد ، منذ ، ومتى كانت الهاوية في انتظاري ….. ؟
وفي اعتقادي ، لا يهم الرّميمَ … مُنذ ومتى … فالمهم هو ، أنه بقدرة قادرٍ أُقيمَ هيْكلي وانتصبْتُ … وأخذتُ في تفقُّدي فانذهلْتُ … ظُلمةٌ ، وأشلاء ، ورميمٌ … فانكفأتُ … لاشيء من تحتي ، ومن فوقي ، ومن حولي يومض بأي بارقةٍ ، سوى شيءٌ ،لم أُميزْه يُشعُّ من بين أصابعي ، التي يبست عليه … وبعد لأْيٍ ، ألانها النَّتْحُ ، وأفرجَتْ عنه … وإذْ بخاتم جدي … وقد نقشت عليه عبارة ( ربوع الخالدين ) …
وشيئاً فشيئاً بدأتْ تدبُّ الحياة في ذاكرتي … فأيقنْتُ حينها أنني في غربةٍ قسريةٍ إلى يوم يبعثون …
حينها ، بادرتني آخرُ المشاهد ، عندما أجمع الحكماء أجدادي على طردي … وبالرُّغم مِمَّا بينهم من فواصل زمنيةٍ سحيقة إلا أنّ الأسى جمَّعهم على ما كان مني …
والخلاصة : إنّ التقاليدَ في ( ربوع الخالدين ) مواطنِهم … تقضي بتجميع كل إبداعاتهم الفكرية في مؤلّفٍ ضخم يسمونه (منابعَ النّور) وكان يتعهد هذا المؤلَّفَ ثلةٌ من أكابرهم .. عُهدةً يسلمونها لمن بعدهم ، في طقوسٍ مقدسة،حتى كان زماني..
كان الفضول ، يُلحُّ عليّ إلحاحَ الشّهيقِ والزفيرِ ، لأعرفَ أين يضعونه ولماذا يولونه أكثر من حياتهم …
وكان ما أردتُ … وفي غفلةٍ منهم غيرِ معهودة تسلّلتُ إلى مخبئه … وأخذت أُقلّب فيه ، وأنا في ذهولٍ وجهل مُطلقيْن … إلى أنْ تجاوَزتُ النِّصف تقريباً … حينها بدت النُّقوش والرموز أقلَّ غموضاً من نصفه الأول ، وبدأت العبارات تبوح بدلالاتها وهكذا … فكلما اقتربْتُ من نهايته أُصبح أكثرَ فهماً لما فيه …
إن أكثر ما أدهشني هو الرابط الناظم لهذه التآليف ، خاصة وأنها دُوِّنتْ بطرقٍ متناقضة بالشكل والمضمون … فلازلت أذكر أنّ أوائل هذا المؤلَّفِ كانت من الأحجار ، وعليها رسوماتٌ كالتي يستخدمها السّحرةُ في زماننا …
ونقوش لا تختلف كثيراً عن آثار أظافر الدجاج على أرضٍ ترابية … وتلتها ألواحٌ فخارية ، مع اختلاف طفيفٍ في مدلولاتها وتلتها قطع جلدية … كتمْتُ أنفاسي حتى تجاوزْتُها … وتلتها أوراقٌ كآذان الفيل في هيئْتها … ولكنّ مضمونها كان أكثر وضوحاً من سابقاتها … مما أطال في تأمُّلي فيها … وشيئاً فشيئاً بدأت الأوراق تتهذّب أشكالُها ، حتى قاربتْ أواخرُها من أشكال أوراقنا هذه الأيام ، مع فارق هائلٍ في المضمون … وليتني اكتفيْتُ عند هذا الحدّ فحسب ، بل دفعني الطَّيشُ والحُمقُ والجهل … إلى إتلاف أكثرِ صفحاته الحجرية ، والفخارية وإلى اقتلاع كثير من رقاعة الجلدية ، وأوراقه الثخينة ، لا لشيء إلا لأنها تمنّعت عن البوْح بأسرارها … لأصمّ أبكم مثلي …!!
وفي غَمرةِ هذه الغزوةِ الهمجيةِ … تَنَبَّه الحُراس ، كانتباه اللَّبْوَةِ إلى الخطر المُحْدِقِ بِجِرائها … واْحتراماً لجديَ العضوِ في مجلس الحكماءِ …لم يفتكوا بي … وأحالوني إليه … وراعه ما فعلتُ
فاستدعى لاجتماع طارئٍ كُلَّ المندوبين الدّائمين عن فصول هذا المؤلَّف المنكوب …
وبلمْحِ البصر ضاق المكان بمن فيه … ولشدّةِ الزُّحام لم أُميِّزْ غيرَ مينا موحِّدِ مصر ، وأخناتون الموحِّدِ المعروفِ ، وأشورَ المغرمِ بالمعرفة ، وحمورابي صاحبِ الشريعة ، ولونجينوسَ الحمصيِّ الملقّبِ بالمكتبة الحية والمتحفِ المتنقِّل … ومعهم خلْقٌ كثير من أصحاب العمائم والفاتحين … ولكن الوفد الأخير أثار مشاعري أكثر من غيره من المتأخرين … أذكر أنه يضم سيدَنا عمر وعلياً رضي الله عنهما ، والرشيدَ والمأمون وصلاحَ الدّينِ والظاهرَ بيبرس …
وكأن تواليهم يتَّسِقُ مع توالي صفحات الكتاب ….. !!
وبعد نقاشٍ أخذ الجميعُ بأطرافه ، على طاولةِ الاتجاه الواحد ……
خلصوا إلى التَّبرُّئِ مني …… وإلى نفْيي إلى أسفل سافلين ……
وعندما وصلوا بي إلى حافة الهاوية … كانت يدُ جدي في يدي … والعُرفُ عندهم أنْ يقومَ كبير العائلة بتنفيذ حكم القصاص … فتوسلْتُ إليه أنْ يمنَحني خاتمه ليؤنسَ وحدتي ، ويُنيرَ ظُلمتي … فاستجاب بيدٍ وبالأخرى دفع بي … وعيناه تهطلان حسرة على ما كان …
وبعد انتظار طويل طويل … سمعت جلبةً آدميةً … فانطلقْتُ لالتماس الخلاص وإذ بمجموعات بشرية بيضاء شقراء … تجوب المكان ، كأمٍّ أضاعت وليدها في غابةٍ موحشة … فتلقّفوني ، وهدّؤوا من روْعي ، واستنطقوني … فرويت لهم ما كان … وكانت فيما رويْت ضالّتُهم ….
فاْشترطوا عليّ إرشادهم …. مقابل إبقائي على قيد الحياة … فانطلقنا في كل صوْب يصعُد بنا إلى معاقل الأجداد … ربوعِ الخالدين ……
وراعني ما راع هؤلاء البيض … لقد أقفر فردوسُهم … وأصبحوا أثراً بعد عين … فالذين كانوا كالجبال زالوا … وماتوا جميعاً ….. بعد أن يئسوا من أحفادهم الذين فعلوا أكثر مما فعلْتُ …..
وفي اجتماعٍ طارئٍ أخير قرروا الخلاص …. وتقاسموا ما تبقّى …. وكُلُّ واحدٍ أخذ نصيبه إلى لحْده …. ليكون شاهداً عليه … يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتىْ الله بقلب سليم ….
وكتبوا على مداخل مدافنهم عبارة : هذه مثاوي الجذور العاقرة …..
ليتني ما قرأتها ….. وكنت نسياً منسيّا …..
وهاهم الذين أضاءوا من منارات أجدادنا …. يدوِّنون بأقلامهم ومُعدّاتهم …. وأنا … أتلقّفُ ما يأفكون …..
ومن حينها أخذ الفضول بجوارحي ولكن هذه المرة لأعرفَ من أيِّ جذرٍ أكون …..
وما إنْ أُقيمَ أَوَدي واشتدّ عودي حتى انسلخْتُ عنهم وبدأتُ أتحرىّ ربوع الخالدين … أجدادي … بنفسي … فأذهلني الذي كان ، رُغم كل ما فعلتْ به الأيام ، ورغم كل ما فعلتْ به ، حراب الحاقدين ..
إن أكثر ما أدهشني هو حرصُهم ، حتى على شظايا ألواحهم وفتات أوراقهم التي كان لنا عارُ إتلافها .
فقد أقاموا لحفظها طقوساً جنائزية ولحدوها قبل أن يترجَّلوا إلى لُحودهم ونعوها بعبارةٍ : (عسى أنْ يخرجَ مِنْ أصلابهم مَنْ يرفع للعلم راية ، وينجزُ كأجداده … في كُلِّ شأنٍ … آداميٍّ

أحمد الشيخ علي.

اترك تعليقك من فضلك

عن mona alzeer

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز