قراءة في قصيدة للشاعر محمد طكو بقلم أحمد وليد – صحيفة ذي المجاز

قراءة في قصيدة للشاعر محمد طكو بقلم أحمد وليد

كانت جنبي تنده بابا
ما بعرف مين فيكن بنتي
يمكن هيّ ويمكن أنتِ
ويمكن هالجاي من بعيدْ
تومي بيدا ليوم جديدْ
ويمكن ذبحت
يمكن قتلت
يمكن غطاها القرميد

************

أنا بنتي من أهل الشام
طفلة صغيرة واسما شام
يمكن سرقتها الأيام
ويمكن خطفتها الألغام
ويمكن راحت حتى تنام
تحلم باليوم الجديد

**************

متل اللعبة
كانت جنبي
تنده عليّ : يا بابا
مرة تجن ومرة تغني
بروحا تسلب روحي مني
كانت زهرة هاك الجنة
وبفجأة ضاعت من الايد

***************

ردوا لي بنتي النوارة
الكانت شمعة بنص الحارة
لا تقولوا راحت يا خسارة
بنتي جاي بيوم العيد
بنتي جاي بيوم العيد
ــــــــــــــــــــــــــــ
الشاعر محمد عبد الستار طكو

_______________________

كيف يمكننا اختصار المسافات للوطن في حروف صغيرة على صفحات الحياة ،فوق رقعة نخطُّها حروفاً شعرية ؟
(كانت جنبي تنده بابا) بهذا العنوان يفتح النص لنا أبوابه ليسهِّل علينا قراءته ، فالعنوان هو البوابة الشرعية للنص و هو علامة مختزلة و دلالة منبتقة من النص نفسه ، وهو نواة الخطاب الدلالى للنص ، عنوان يثير العاطفة و ايضا يُحدث في القارىء ثورة من الأسئلة ، نبدؤها بالفعل ” كانت ” يعني بالماضي ، فأين هي الآن ؟ و يدعم الشاعر قوله و يؤكده بكلمة ” جنبي” فتصبح هذه الكينونة واقعاً فعلياً ربما يسترجع الشاعر حضورها عبر الذاكرة ، هنا يجد المتلقى نفسه مدفوعا إلى ولوج عالم القصيدة في محاولة  لكشف أغوارها و إيجاد إجابات مقنعة لأسئلته الإفتراضية التى وضعها فى ذهنه هذا العنوان.
الحضور هنا يعنى حضور الذات فى الذات ، فهي ” الإبنة المفترضة” حاضرة في ذات الشاعر عبر إلتقاطه لحالة وجدانية متعلقة بالذات الشاعرة  هى حالة وجود افتراضي يحاول الشاعر تحويلها الى واقع و هى حالة الحنين و الشوق الذي يهزُّه إليها (ابنته) ، و من ثم تحاول الذات الشاعرة ان تصب فى مستهل الخطاب الشعرى حضورا طاغيا لها .
كانت جنبي تنده بابا
ـ************ـ
ما بعرف مين فيكن بنتي
يمكن هيّ و يمكن أنتِ
و يمكن هالجاي من بعيدْ
تومي بيدا ليوم جديدْ
و يمكن ذبحت
يمكن قتلت
يمكن غطاها القرميد
************
يتمثل هذا الحضور فى التراكم الكمى للضمائر : “أنتنََّ” ( ما بعرف مين فيكن بنتي) ، ” هي” و “أنتِ” (يمكن هيّ و يمكن أنتِ) ، إضافة إلى استعمال اسم اشارة (هذه) فجاءت الهاء للتنبيه أنها آتية و “ذه” اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ (و يمكن هالجاي من بعيدْ)
و كأن الشاعر يتساءل مَن التي مِن بينهن ( الحاضرات) تكون إبنته أو يفترض من هي ابنته ، و كأنه واقف أمامهن يشير بإصبعه لهذه أو لتلك ، يتساءل هل هي أنتِ أم هي ، أم هذه الآتية من بعيد …؟
نحن أمام شاعر يعاني الغياب و يحاول إعلان حضورها من خلال ذاتيته فهي تعبُره لتصل إلينا حتى تصبح موجودة واقعا فعليا و ليس خيالا بضمير الشاعر ، مجسِّداً حالة من الشوق و الحنين ، و اليقين فى عدم الحضور ، لذلك هو حضور يؤكد النفى ويثبت الغياب ، حضور يمثل الأمل ينشد اللقاء …
بعدها يأتي الشاعر ليعرفنا من هي ابنته و من تكون ، فيقول :
أنا بنتي من أهل الشام
طفلة صغيرة و اسما شام
يمكن سرقتها الأيام
و يمكن خطفتها الألغام
و يمكن راحت حتى تنام
تحلم باليوم الجديد
**************
هي الشام بلده الحبيبة التي تركها مُرغما ، ربما سرقتها منه الأيام و سرقته منها ، أو ربما خطفتها الألغام ، أمل يتجدد بنفس الشاعر أن تعود الشام طفلة جميلة ، سعيدة تحلم بالحياة ، و بالحرية ، تنام هادئة . كلمات سلسة ، عذبة ، تحمل الشوق و ألم الفراق و وجع الغياب .
مثل اللعبة
كانت جنبي
تنده عليّ : يا بابا
مرة تجن ومرة تغني
بروحا تسلب روحي مني
كانت زهرة هاك الجنة
و بفجأة ضاعت من الايد
***************
ردولي بنتي النوارة
الكانت شمعة بنص الحارة
لا تقولوا راحت يا خسارة
بنتي جاي بيوم العيد
بنتي جاي بيوم العيد  
يشبهها باللعبة أو الدمية إلى جانبه تنادي عليه “بابا” ، يجعلها مثل الأطفال في جنونهم و غنائهم ،فوجودها يعني وجوده فهي الحياة بالنسبة له و غيابها يعني الموت ( بروحا تسلب روحي مني ) فهي كل شيء بالنسبة له ، هي روحه و حياته مثل زهرة من أزهار الجنة لكنها فجأة ضاعت منه ، فلم يكن الشاعر يتوقع ما حدث و ما يحدث للشام الآن …
يأتي ليوجه الخطاب لمن سرق منه ابنته الشام (ردولي بنتي النوارة ) أن يعيد له ابنته النوارة ، التي كانت شمعة الحارة فهي رمز النور و الضياء ، بعدها يوجه الخطاب للمتلقي فهو لا يحب سماع أن الشام قضت و انتهت ( لا تقولوا راحت يا خسارة ) ، بوهج شعري جميل يبث الأمل في النفوس يختم الشاعر قصيدته مؤكدا أن ابنته ستأتي بيوم العيد (بنتي جاي بيوم العيد) .
لغة النص حملت شوقا و حنينا ، و ذات الشاعر متوهجة محملة بمشاعر صادقة كاشفة عن صفاء الروح و حب عظيم للوطن تمثل في الشام .
_________________________ أحمد وليد

اترك تعليقك من فضلك

عن أحمد وليد

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز