قراءة في قصيدة للشاعر محمد أبو زيد بقلم أحمد وليد – صحيفة ذي المجاز

قراءة في قصيدة للشاعر محمد أبو زيد بقلم أحمد وليد

( فزع ) 


فزع من تعبي ال لايتعب
من هذا الخراب في وطني
من نزوة في الظل
من صهيل في دمائي وعويل يمارس العتمة
يتخبط بي كفراشة منهكة …
فزع …
مما يشتهي الموت
منك ومن لحم القصائد
ومن وطني
فزع …
من ضجر المدن ورائحة الموت
فزع …
من فراشة برية كسرت دم الضوء
وحمامة طعنتها الريح
فزع…
من وصايا الملح ومن وجع الكلمات
من القصائد المتخثرة في دمي
فزع …
من كفي
ومن دمعي المنافق
من قبري المفعول غصبا في هذي الحياة
فزع …
من أولي
وأوسطي
وآخري
وأعلاي
وأدناي
ومما بين بيني وبيني
من طريق الغيم العقيم
ومن النوم فيك
صدقي .. فزع من النوم فيك .. !
كي لا أحلمك ثم أصحو الوحيد في زقاق الوقت
فزع …
من انشقاقي مني إليك أو عليك
من ذهولي
وانعزالي
من هشاشة الفرح في جسدي النحيل
من قزح يفكر في أن يصير ظلا للرحيل
من زحمة في الظل تلعن ظلها
ومن ظلي ال يخلعني ليمارس الطين …..
من الحرب
فزع من هذا الخراب في وطني
فزع من معناي حين لا أدركني فلا يدركني معناي
من ضلوعي في اللاشيء
من كل شيء فزع وكل شيء فزع من وجودي … ؟!

________________


أول ما يستوقفنا في هذه القصيدة عنوانها ” فزع ” كلمة من ثلاث حروف لكن بها طاقات إيحائية و تعبيرية شاملة فهو بمثابة مفتاح للقصيدة وقد تتولد عنه عدة تأويلات على مستوى البنية العميقة للنص إذ يستند على الرمز والإيحاء لتشكيل بنية دلالية تربطها بالنص علاقة جدلية .
في قصيدة “فزع” نجد أن العنوان ينطوي على عدة دلالات وهي كما يلي :
يتكون العنوان من كلمة واحدة ، نكرة على هيئة مصدر يحمل معاني كثيرة و يسمح بالتأويل و التخمين .
فزع : تدل على الخوفُ والذُّعْرُ .
نقول فَزَعَ مِنْهُ : خَافَ ، تَقَبَّضَ ، نَفَرَ..
أما بعلم النفس : “فزع” تطلق على حالة أو شعور بالخوف المفاجئ .
دلالة الأصوات في العنوان:
الفاء : فجع و فجيعة ، فناء و نهاية. و لحرف الفاء مكانة مهمة في التصوف وما يعنيه من دلالات وأهمية في الفناء والزوال والبقاء . و أيضا ارتبط حرف الفاء بالفساد الأخلاقي و الإجتماعي و الإداري و المالي عند الدول بزماننا الحاضر . و “فاء” الفسق و الفجور و الفساد يقابلها “فاء” الحكمة ( فلسفة ) و النعيم ( فردوس ) و الفرح و الفوز …
كل هذا التناقض يؤرق الشاعر لأن الفاء الأولى متحققة و الثانية تظل في إطار دلالات و معاني مفقودة و غير موجودة ، دلالات تتحول إلى أحلام غير متحققة في ذاتية الشاعر و أيضا في كيان المجتمع العربي .
الزاي : تمثل الزوال و الإنتهاء
العين : علّة و اعتلال عفن و تعفُّن ، تعفن المدن برائحة الموتى المنتشرة بكل مكان و اعتلال الشاعر بكل ما يحدث داخل الأوطان العربية .
يتحدّث الشاعر عن نفسه مستحضرا “الأنا” و مستبعدا “الآخر” فالقصيدة يميزها طغيان حضور الذات المبدعة دون الإكتراث بإشراك الآخر ( الآخر/ المتلقي ) فالشاعر يكتب لينفي عن ذاته المرهقة و المعذبة الألم و الوجع و لا يهتم إن كان سيقرأ له أحدهم بل لا يوجه له ( أي للقارىء) الخطاب و لا يهتم لوجوده . هي ثورة في عالم الإبداع عندما يفقد الشاعر الرغبة في إشراك الآخرين مشاعره و معاناته هكذا هو يثور على نفسه و على الآخر بل على كل عالمه المادي المحسوس . شاعر لا يهمه حل الشفرة التي كونّها و لا يهتم لجُموع القرّاء و المهتمين بشعره بل يكفيه أنه بلحظة ما و تحت ضغط معين قال ما قاله مترجما ما يتصارع داخله من أفكار و مشاعر تنهكه و تكاد تفجر رأسه . هكذا ينقسم النص إلى : بنية سطحية : تتمثّل بعدم الشعور بالأمان و ما يرافقه من فزع و خوف ، وهي دلالات ذات معنى نفسي تخص الشاعر وحده أو الذات المتحدثة (الأنا) . بنية عميقة : تتمثّل في رغبة الشاعر بالبوح وإخراج مافي الذات من تخوفات وهواجس وصراعات ، دون رغبة منه في إشراك الآخر . لكن البوح و الرغبة في القول يحتاج دائما لمستمع و متلقي (الأنت أو الآخر) . و في ظلّ غياب الفعل المشكل للحركة فتقريبا كل أبيات القصيدة تبدأ بكلمة ” فزع ” و هي إسم يوحي إلى ركود و سكون زمني ، كأن الشاعر عندما اجتاحه الفزع اختار لغة لا حركة فيها بسبب تخوفه مما هو آتٍ ( خائف من مستقبله فالزمن عنده لحظة وقفٓ عندها و هي هذه التي كتب فيها عن فزعه ) . يواصل الشاعر إقصاء الحركة و تغييب الفعل ( فزع من تعبي ال لا يتعب ) فهو فزعٌ من تعبه أن لا يتعب فهو في خضم تعبه يخشى أن لا يتعب و لا يحس بالتعب كأنه بهذا يرفض الصمود و يرفض أن يواصل ، أي أنه يرغب بأن يتعب و ينتهي و لا يقاوم . بهذا يعبر عن إنكسار الذات و عجزها بسبب ما يحدث داخل الوطن ( من هذا الخراب في وطني ) وأيضا بسبب رغباته الطافحة التي تشده لنزوات يرفضها و لا يقبلها عقله ( من نزوة في الظل) و يظل يتخبط بين رغباته و نزواته ، و بين بكاءه و صراخه و رفضه لكثير من الأشياء و ندمه على فعلها ( من صهيل في دمائي وعويل يمارس العتمة – يتخبط بي كفراشة منهكة … ) هكذا يظهر جليا تشظي الذات و صراعها و تخبطها داخل هوسها و هواجسها و بحثها المستمر عن إيجاد منفذ للجمود و عدم الحركة ، و الهرب من وسط كل هذه الفوضى التي تعم النفس و الرغبة في عدم التفكير و كأن الشاعر يبحث عن الفراغ ليلقي بنفسه داخله لكنه لا يجده اذ يتعسر عليه التوقف عن التفكير و عن الحركة و عن السير قُدُما في زمن يريده الشاعر أن يكون ثابتٓٓا .
فزع من تعبي ال لايتعب
من هذا الخراب في وطني
من نزوة في الظل
من صهيل في دمائي وعويل يمارس العتمة
يتخبط بي كفراشة منهكة …
يواصل الشاعر سرد تخوفاته و فزعه فتضمحلّ الذات الشاعرة أمام إشتهاء الموت و تكاد تُقصى و يصبح وجودها متصدِّعٓٓا أمام فرضية الموت التي تشتهي قطف الأرواح ، هكذا يتحول الإنسان مع الشاعر من مخلوق يسمو فوق الموجودات إلى كينونة بشرية ناقصة فهي تفتقد الكمال لأنها فانية (سوف تفنى و تنتهي) و لن تكون خالدة و كأنه بهذا يتجاهل الحياة الأخرى التي بها الخلود مطلق ( فزع … مما يشتهي الموت) ثم يعود ليخاطب نفسه مستترا تحت ضمير ” أنت ” المُضمر ” منك ” هكذا يخاطب نفسه فيقول : ( فزع منك أنت ) أي أنه فزع من نفسه ، من أفعاله و ردّاتها غير المُتوقعة ، من المشاعر التي تتجسد لحما داخل قصائده فتقتص منه و تأكل من لحمه قطعة قطعة ، فالعذاب المعنوي هنا يصبح أكثر مادية بهذا الوصف فلا يمكن أن نصف بشاعة العذاب الذي يتعرض له الشاعر دون تجسيده في جسد مادي محسوس ( لحم ) بهذا يصل إلينا المعنى قويا و نستطيع الرؤية أكثر بل و نكاد نحس حجم الألم الذي يعيشه الشاعر ( منك ومن لحم القصائد ) بعدها مباشرة يُظهر فزعه من الوطن ، كيف لا يفزع من هذا الأخير و هو السبب الرئيسي بفزعه ، فالأحداث الغير مستقرة و الظلم و التعذيب و القتل المستمر و الموت الذي يحصد الآلاف بالوطن العربي يجعله يفزع من مصير هذا الوطن و من المستقبل الذي يتنبأ به لهذا الوطن ( ومن وطني ) فزع من الركود الذي يصيب المجتمع العربي سواء الإقتصادي أو الثقافي أو الأخلاقي. و فزع من الفتن و الحروب و كثرة القتلى الشيء الذي يؤدي إلى الأوبئة و انتشار الأمراض و الفساد خصوصا على مستوى الإقتصاد ( الفساد المالي ) ما يؤدي إلى الفقر و المجاعة ( من ضجر المدن ورائحة الموت ) .
فزع …
مما يشتهي الموت
منك ومن لحم القصائد
ومن وطني
فزع …
من ضجر المدن ورائحة الموت
بعدها يخرج الشاعر من نفق الإدراك الضيق إلى عالم اللاّوعي الشاسع فيتشكٌل الإبداع خارج إطار المنطق و الوعي مبتعدا عن الواقع ، فيطلق العنان لرغباته اللاواعية المتوارية خلف ستار اللغة التي تنعدم فيها إمكانية المساءلة المنطقية فنجد الشاعر يفزع من فراشة برية كسرت دم الضوء . مع العلم أن الفراشة فاقدة لقدرة الكسر. و الضوء و إن كان مرئيا فهو غير محسُوس و لا دم له (من فراشة برية كسرت دم الضوء) فالفراشات هنا تعبير مجازي لإمرأة رقيقة و جميلة كالفراشة لكن أفعالها أكبر من أن تكون مجرد فراشة فهي كسرت دم الضوء و المراد بالدم ” القتل ” فهي بطريقة ما تسببت بقتل مشاعر الشاعر محمد أبو زيد و أفقدته الأمل و الرغبة في الحياة ، فالضوء هو الأمل . بهذا التعبير المجازي يتسع المُتٓخٓيّل الشعري فيتحول إلى نشاطٍ فكري و رؤية شعرية مبنية على دلائل خيالية لسيكولوجيا الذات الشاعرة و ارتباطها باللاوعي . هكذا يسبح بِنَا النص في اللّاشعور باستحضار صور لاواقعية تكاد تكون غير مفهومة ( فزع من وصايا الملح )
فزع …
من فراشة برية كسرت دم الضوء
وحمامة طعنتها الريح فزع…
من وصايا الملح ومن وجع الكلمات
و يزداد فزع الشاعر فيذكر فزعه من وصايا الملح ، ” الملح” يقصد بها كل شيء ذَا قيمة بهذه الحياة و على رأسها الأخلاق فالملح يرمز للطهارة و النقاء و على مرّ العصور كان الملح (‏كْلوريد الصوديوم)‏ منتَجا ثمينا جدا عند البشر بسببه شُنَّت حروب و ثورات مثل ثورة فرنسا التي كان سببها الضريبة الباهظة التي فرضها الملك لويس السادس عشر على الملح . واستُعمل الملح ايضا للمقايضة فالتجّار المغاربة قايضوا الملح بالذهب (ڠراما مقابل ڠرام ) كما استعملت بعض قبائل افريقيا الوسطى قِطَع الملح الصخري كنقود . و اليونانيون دفعوا الملح ثمنا للعبيد أما عند المسيحيين فجاء في الكتاب المقدس على لسان عيسى عليه السلام مخاطبا المسيحيين “أنتم ملح الأرض” أي أنه على تلاميذ المسيح أن يطيّبوا عالم الناس ويحفظوهم من الفساد من خلال عهدهم الأبدي مع الله ( عهد الملح أو الميثاق الأبدي ) أي عليهم أن يطهروا الأرض و يحاربوا الفساد و هذا من ضمن وصايا الملح . و الشاعر فزع أيضا من وقع الكلمات عليه وتأثره بها و الوجع الذي تُخلّفه و راءها ، فالكلمات داخل رأسه تتزايد دون انقطاع و تُحدِث فوضى منظمة لتخرج في شكل قصائد مثل هذه التي بين أيدينا . كثير من الشعراء يجدون متنفسهم الوحيد في كتابة الشعر لكن شاعرنا محمد أبو زيد الكتابة عنده زيادة في الألم و الوجع فهي لا تريحه و تخفّف عنه بل تزيد من عذابه و آلامه .
“من القصائد المتخثرة في دمي”
في خضم هذا الفزع اللانهائي تلونت اللغة بلون الخوف في لحظة تشظي الذات الشاعرة ، و رضخت لتتحول إلى بوح كي تتصدى للألم ضمن العلاقة الأبدية بين الإنسان و والوجع ، فنجد الشاعر يُطور فزعه ليتحول من فزع من أشياء خارجية إلى فزعٍ داخلي ، يفزعُ من كفه وسيلته لفعل أي فعل لكنه هنا يخُصُّها بالسيء من الأفعال فيخافها أن تبطش أو تظلم أو تساهم في أي فعلٍ قد يندم عليه ( فزع … من كفي ) و فزعٌ أيضا من الظاهر من مشاعره فقد يُبدي تأثره و تعاطفه و ربما هذا الإحساس قد يكون سطحي فيحس كأنه منافق ( ومن دمعي المنافق ) يفزع أيضا من كونه يحسُّ نفسه ميتا حفروا قبره غصبا عنه فكل ما يحدث له يجعله يزهد في العيش و يبغض الحياة و أيضا بتأويل آخر يشرك غيره في هذا الوصف عندما يشعر كل مواطن بأنه مهدد بالموت و القتل لأنه يحاول التعبير بصراحة عمّا يحدث داخل وطنه ( من قبري المفعول غصبا في هذي الحياة )
فزع …
من كفي
ومن دمعي المنافق
من قبري المفعول غصبا في هذي الحياة
ويواصل الشاعر محمد أبو زيد استئصال نفسه من هذه الحياة و الانغماس داخل وجعه أكثر فأكثر متواريا وراء قناع اللغة التي تعكس توتر الشاعر وألمه الذي يزيد كلما زادت قصائده . شاعر يفزع من كل شيء من أوله من أوسطه من آخره من أعلاه وأدناه( من بدايته في الحياة و من وسطها ، من آخرها فهو يتنبأ بالأسوأ .. يفزع من ” أعلاه ” أي من عقله و تفكيره من كل الأشياء السامية فيه و في عالمه من المثل العليا و الأخلاق التي يسمو بها التفكير البشري و تسمو بها الأمم . و يفزع من ” أدناه ” بمعنى من كل ما هو أدنى منه أي كل ما تحت رجليه و قد يتمثل في النقصان كل ما هو ناقص بهذا المجتمع و بعيد عن عالم المثل و عن الأخلاق و قد يصل حد الدناءة ( فزع … من أولي – وأوسطي – وآخري – وأعلاي – وأدناي ) هكذا تختلط الأمور عند الشاعر فيفزعُ من أشياء خارج عنه و أشياء فيه داخل في تكوينه لدرجة أنْ يفزع مما بينه و بين نفسه و مما بينه و بينه … ( ومما بين بيني وبيني ) من الأمنيات المُأهلة لأن تتحقق لكنها تقبعُ داخل المستحيل ( من طريق الغيم العقيم ) هكذا يدخل الشاعر متاهة الحروف ، فيكتُب ما لا يُكتٓب ، يعبِّر عن تخوفه و فزعه من المجهول و مما سيأتِ مستقبلا ، كتابة لا ترسو على قواعد محدّدة بل تتجاوزُها إلى إبداع يُنْكِر اللغة في حد ذاتها فكأننا بالشاعر ينحث تُحفة فنية بمشاعره المتمزقة و فزعه المتزايد . فيسبح بِنَا داخل تشكيلات فنية تتوالد عبر التصوير محاولا بناء صرحٍ شعري و وسيلته في ذلك لغة تستوعب المتخيل الشعري المُنبثق من سيكولوجية الذات الشاعرة التائهة فيُعبر بأشياء لا محسوسة عن أشياء تفوق الإحساس مُخترقا الألم و تصدعات الروح و الجسد معٓٓا . فزعٌ من النوم فيها ، في هذا العالم أو الدنيا المتقلبة التي لا ترسو على شيء لدرجة أن الشاعر أصبح يخاف بشدة من أن ينام فيها . و الشاعر هنا لا يخاطب الدنيا وحدها بل خطابُه موجه إلى مخاطبة و قد تكون إمرأة لا يرغب بالإقتراب منها و الإرتباط بها و بناء آمالٍ و أحلام ربما ينام و يصحو فتندثر و يجد نفسه وحيدا لكنه يظل ممزق المشاعر مُنشقا ، جسد بلا روح ، جسده بمكان و روحه تطفو عندها هي لا تغادرها و لا تفارقها و ربما إنقلب عليها و ضدها … ( فزع … من انشقاقي مني إليك أو عليك … ) وإن عدنا لفزعه من أن ينام و يصحو فيجد نفسه وحيدا بهذه الدنيا فهو يفزع من المستقبل و من هذا العالم الذي كثرت به الفتن و القتل و الفتك ، يخشى أن يفقد من حوله و يبقى وحيدا لا قريب و لا حبيب و لا صديق في مشهد يكون به الشاعر واقفا وحيدا لا أحد ، و لا هناك ما يوحي لوجود حياة ، كأن المكان أصبح خاليا من الحياة لا إنسان و لا حيوان فقط معالم لحياة كانت ثُمَّ خراب … ( ومن النوم فيك – صدقي .. فزع من النوم فيك .. ! – كي لا أحلمك ثم أصحو الوحيد في زقاق الوقت )هذا الوقت الذي يؤرقه و يتعبه إذ يفزع أن يتبدل الحال الراهن إلى الأسوأ فيصبح العالم بغيضا و خاليا فوق مُتخيّٓل الشاعر ذاته .
فزع …
من أولي
وأوسطي
وآخري
وأعلاي
وأدناي
ومما بين بيني وبيني
من طريق الغيم العقيم
ومن النوم فيك
صدقي .. فزع من النوم فيك .. !
كي لا أحلمك ثم أصحو الوحيد في زقاق الوقت
فزع …
من انشقاقي مني إليك أو عليك
هكذا يتحول الشعر عند محمد أبو زيد لأشياء غير مُتوقعة تتخطى حدود الدهشة فيتحول الشعر إلى لعبٍ بالكلمات معبرا عن تيه الشاعر داخل مدارات الفراغ التي تجعل ذهنه يصفو لحظة ليتنبأ بواقع سيّء ، متقلب و متحوِّل (التردي في المجتمع) ليفزع من ذهوله و إنعزاله من الفرح القليل و البسيط الذي يعرفه بين الحين و الآخر ، من كل الأشياء الجميلة و الرائعة التي تستعد للرحيل ( من قزح يفكر في أن يصير ظلا للرحيل ) .
من ذهولي
وانعزالي
من هشاشة الفرح في جسدي النحيل
من قزح يفكر في أن يصير ظلا للرحيل
و تمتد اللغة إلى ما فوق الواقع بلوغا اللاوعي المتكون من الـ ” ما قبلية ” و الأسرار الـ ” ما ورائية ” التي تحرر القول الشعري يقول إيفون دوبليسيس في السوريالية – ترجمة هنري زغيب : ( يمد الإلهام الذات القدرة على تشكيل المافوق واقعي لتنمحي بذلك أطراف الوعي بلوغا لمناطق اللاوعي المفعم بالهلوسات والتذكر والأسرار الماورائية التي تحرر القول الشعري، وتجعل سر كل عملية شعرية كامنا في حالة الحلم التي تمثل أكمل نقطة في التجرد الممكن أن يتوصل إليه الفكر البشري).
إن تقنية الكتابة عند محمد أبو زيد تدخل في مجال المتخيل الشعري الحالم فالشاعر و هو يكتب كأنه يعيش حلما كل شيء فيه سهل و مُتحقّق يخرج عن نطاق العقل و المنطق و الواقع بواسطته يعبر الشاعر عن أشياء لاواعية و غير ممكنة واقعا ( فزع من زحمة في الظل تعلن ظلها – من ظلي ال يخلعني ليمارس الطين … ) فهو فزع من أن تغادره ذاته فهي التي تسمو به فوق طينه ، فيخشى أن يصبح جسدا بلا روح هكذا يلبي كل نزوة و هفوة و شهوة للجسد مُقصيا الروح و الجسد دائما يشدّ الإنسان للطين لكل ما هو أدنى أما الروح فتسمو به في السماء …
من زحمة في الظل تلعن ظلها
ومن ظلي ال يخلعني ليمارس الطين …..
هكذا تصبح الكتابة عند الشاعر رؤية شعرية و وسيلة معرفية و نشاطا فكريا يتيح له القدرة على تخيل صور لاواقعية داخل اللاوعي . إذ يتنبأ بكل ما يمكن حدُوثُه في المستقبل القريب أو البعيد فيفزع من الحرب و من الخراب في وطنه ، يفزع حين لا يدرك من هو و من يكون و ما سبب وجوده و إلى أين مآله ، يفزع من تيهه عن نفسه فلا يدرك معناه و لا هذا الأخير يدركه إذ يصبح بلا معنى .
من الحرب
فزع من هذا الخراب في وطني
فزع من معناي حين لا أدركني فلا يدركني معناي
بهذا يتكون فزع الشاعر في شكل هرم رأسه تحت و قاعدته فوق ، فزع مستمر و متزايد إلى ما لا نهاية . الشاعر هنا يفزع من ضلوعه في اللاشيء و من كل شيء ، من الممكن و اللاممكن ، من كل شيء موجود و غير موجود و كل شيء فزع من وجوده هو أي الشاعر و كأن لا أحد يحبذ وجوده بل يفزعون منه ، لا يريدونه و لا يقبلونه … هذا هو إختصار إحساس الشاعر بالأشياء و إحساس هذه الأخيرة به .
من ضلوعي في اللاشيء
من كل شيء فزع وكل شيء فزع من وجودي … ؟!
جاءت اللغة رمزية إيحائية يصعب فهمها فهي ليست بمتناول الجميع و بالرغم من توشحها بالرمز إلا أنها تبقى المفتاح الوحيد لولوج عالم الشاعر . فالرمز دائما يتجدد ومعاناة الشاعر فيبحث في خياله عن أسلوب يحقق به رؤاه الشعرية بعيدا عن الواقع و المنطق و العقل مُقصيا المسافة الفاصلة بين الوجود و ما ينبغي أن يوجد . من هنا ندرك قدرة خيال الشاعر محمد أبو زيد على تشكيل صور شعرية لا وجود لها في الواقع المحسوس، مما يتيح لنا ( القارىء ) تأمل عوالم خفية داخل بناءه الشعري .

_____________ أحمد وليد الروح

عن أحمد وليد

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز