قراءة في ديوان “خبزي وسراجي” بين المعنى والدلالة للشاعرة ناديا مسك بقلم: الشاعر والناقد عبدالرحيم جداية – صحيفة ذي المجاز

قراءة في ديوان “خبزي وسراجي” بين المعنى والدلالة للشاعرة ناديا مسك بقلم: الشاعر والناقد عبدالرحيم جداية

قليل من العناوين التي تحمل دلالة واضحة في عتبتها الأولى، مما يؤشر إلى ضعف الفكرة عند الكاتب أو الشاعر أو القاص والروائي، فما قيمة النص دون فكرة أو قضية؟ لنعيد السؤال هل النص الشعري فكرة وقضية، أم روح وأسلوب فني وتقنيات؟.
فالأدب الحقيقي يحمل كل هذه المكونات في جسد النص، من حيث البناء الشعري، والوعي الإنساني في فكرة النص، وروح القصيدة، في إيقاعاتها وبحورها وتفعيلاتها، لتقدم لنا ناديا مسك ديوانها الثاني بعنوان "خبزي وسراجي"، فالباحث بين المعنى والدلالة، يجد فوارق دالة إحصائية، مما يشير إلى قيمة المعنى، وغنى الدلالة إحصائيا ،ومعرفيا، فالخبز مادة الحياة اليومية عند العربي، وهو المادة الأساس في مجتمع الفقر والفقراء، فالمعنى واضح في لفظ الخبز، والدلالة أكثر وضوحا في هذا اللفظ الدال، على قيمة مجتمعية بسيطة متواضعة، تنحت الصخر من أجل كسرة خبز.
خبزي وسراجي عنوان الديوان، فلماذا اختارت السراج، هل لمعناه التنويري الذي يضيء ما حولنا، أم الدلالة الدينية التنويرية بقوله تعالى: "الله نور لسماوات والأرض"، السراج واحد المعنى، والشكل متعدد، والوظيفة واحدة، وتعدد الأشكال تتعدد الدلالات، ليأخذنا السراج إلى تراث قريب، حيث كان السراج بقعة الضوء، كلما اشتد الظلام، وكلما اشتد الظلام كان الطغاة أكثر قسوة، وفي هذه الأوقات الحرجة لا بد للفكر المنير من إعلان كلمته، ليكون المفكر والشاعر والقاص والروائي تنويريا في أعماله الأدبية.
خبزي وسراجي كلمتان لكل واحدة معنى، ولكل واحدة دلالاتها، لكن ما الدلالة الكلية للخبز والسراج في نصوص وقصائد ناديا مسك؟.
فالدارس للألفاظ يعرف معانيها في سياق شعري، فالسياق الشعري بفنياته اللغوية، هو الذي يعطي المعنى والرمزية والتأويل، لكن اللفظ خارج السياق لا يشكل معنى واضحا صحيحا، إلا في حالة التصور الذهني للفظ الواحد، والنقاش في هذا كثير وطويل، فالبحث عن اللفظ معجميا، يعطي العديد من المعاني، لأن المعاجم مثل لسان العرب، يقدم اللفظ في العديد من السياقات، كما يقدم اللفظ في تقليبات الجذر واشتقاقاته، مثل (كّلِفْ) التي تعني العاشق، ومثل (الكَلَفْ) تلك الحبوب التي تظهر على الوجه، و(الأكلف) عنب الشام إذا أصبح زبيبا، و (الأكلف) أيضا الجمل الذي يقوم بالحمل الثقيل، فما المشترك في المعنى، بين اشتقاقات اللفظ، لنجد أن الثقل هو المشترك في المعنى، ومنه تنطلق الدلالات، كأن نقول سن التكليف وهي المسؤولية والهم الثقيل.

فاللفظ مرتبط بالمعنى ودلالاته المتقلبة، اجتماعيا ومكانيا حسب الزمان، وإذا كان المعنى واحدا، فإن الطرق للوصول إلى المعنى متعددة، أولها الشرح وثانيها التفسير، إذ نشرح بيت الشعر بمعرفة المفردات والتراكيب، ونفسر من الشعر ما أشكل، ثم ننثر الشعر، ونحلل الأبيات، هذه الأساليب الأربعة هي طريق الناقد للوصول إلى المعاني والدلالات.
فما الذي قدمه لنا ديوان “خبزي وسراجي” من معانٍ ودلالات في السياق أو خارج السياق، لا نعرف ذلك إلا إذا تتبعنا الديوان، وبالذات قصيدة (خبزي وسراجي)، التي تقدم صورة العاشقة الباحثة في كل درب، لكنّها تنبض لنا بلفظ دال ألا وهو الزمن، عندما يقترن بالإبتلاء، وهذا ما ورد ذكره حين قلبنا الكلمات من جذر (كلف) إذ الإبتلاء والهم الثقيل هو الأساس، ويبرز ذلك في المعنى والدلالة بقولها:
“يا حبيبا في فؤادي قد سكن
رغم رمدي في الفيافي والشجن
أنت لي في كل درب شاخص
أنت لي رغم ابتلاءات الزمن”
في هذين البيتين تكشف عن عاطفة خبيئة، لكنها عاطفة تنطق بمشاعرها ومشاعر تنطق بأحاسيسها، ويكشف ذلك قولها “أنت لي في كل درب شاخصٌ” هذا الشخوص كشف العاطفة، ومثّل صورة فنية قد تقترب من الأذهان، بالظهور المفاجئ لمن نحب ،أو بالجبل الذي يشكل علامة في أرض واسعة، أو حتى بتلك الشواخص الدالة على الأماكن، والتي نراها على جنبات الطرقات، فالمهم بالموضوع أن لا قيمة للمعنى أو الدلالة دون الصورة الفنية الجمالية، التي تقدمها الشاعرة، والتي توظف بها ألفاظا دالة مثل السكن والشجن والزمن، لكن الزمن اقترن بالابتلاء بقولها: “أنت لي رغم ابتلاءات الزمن”.
فالمعاني والدلالات تشكل صورة جمالية واضحة، كلما استطاعت الشاعرة تقديم صورة فنية، لكنها تقدم صورة تأكيدية، على الشخوص (شاخص) وذلك بالنبض (نابضا) لنقرأ لها “أنت لي في كل درب شاخص” ونكمل القراءة لها “في عروقي سوف تبقى نابضا” إن تأكيد الصورة بالصورة، واستخدام أسم الفاعل (شاخص) و(نابضا) لهو تأكيد لفظي على المعنى والدلالة، بارتباطهما بصورة الحب الكلية، في البحث عن الخبز والسراج، في ذات الرجل ونفسه وروحه الذي تحب، لكن لماذا استخدمت الرفع في قولها(شاخصٌ) والنصب في قولها (نابضا) ؟، فهل تعني شاخص الثبات والقوة والعلاقة البارزة؟ وهل تعني نابضا الحركة والديمومة والحياة، وهذا أقرب لأن شاخصا ونابضا جاءتا حالا وهي دلالالة حركية.
لكن المعنى والدلالة لا يأتي فقط من هذه الألفاظ الدالة، في سياق قصيدة (خبزي وسراجي) التي أخذت اسم الديوان، لكن ابتلاءات الزمن في البيت الثاني وقولها في البيت السادس: “ياعصافير المنافي غردي”، فلماذا تستجدي العصافير، ولماذا تستجدي عصافير المنافي؟، إنّه البعد، وهناك لفظان دالان على هذا البعد، ظهر في قولها في البيت الأول (الفيافي)، وفي البيت الرابع بذكرها الفضاء، فالفضاء والفيافي لفظان دالان بالمعنى والصورة الفنية، التي انتجتها الشاعرة ناديا مسك، من فضاء شعري يتحرك به الشخوص في المكان، وهل يكتفي مفهوم الفضاء الشعري بالمكان بعيدا عن الزمن؟، لا يمكن للفضاء أن ينفصل عن قولها: “وأنت لي رغم ابتلاءات الزمن”.
فناديا مسك، الباحثة عن المعنى والدلالة، وتوطين العاطفة، والامتداد في الجغرافيا، والمكان، والولادة في الزمان الصعب، التي ابتليت به، إلا أنّها كانت الشاعرة المهيبة، في صناعة الصورة الفنية والجمالية، التي حملت القصيدة من رحم المعنى والدلالة.
وعودة إلى عنوان القصيدة والديوان، “خبزي وسراجي” تقول ناديا مسك:
“وسراجي زينة من ناظريك منهما نوري إذا الليل ما جن
فيك خبزي وسراجي عانقا سيفنا البراق في الليل معا
إن خبزي لسراجي روضة دانيان الدهر سر وعلن”
هذه الأبيات الثلاثة، لا بد من الوصول إلى المعنى من خلال شرحها وتفسيرها وتحليلها ونثرها، مما يقدم لنا معنى محدد، غير المعاني التي طرحت عند مناقشة العنوان، والدلالة أيضا اتضحت بأبياتها، ليتحد المعنى والدلالة من خلال (السراج والزيت)، ولكن من أين تأتي بالزيت لسراجها، لتوضح أنّ عينيه أو ناظريه هما زيت سراجها، وهذا يشير صراحة لعلاقة ثنائية منسجمة، ليس فيها صدام أو تباين أو ضدية، كما أورد كمال أبو ديب في الثنائيات الضدية، لكن يبقى السؤال مطروحا من هو الآخر، الذي هو زيت السراج، لنحصل على دلالتين، دلالة الحبيب، ودلالة الوطن، ودلالة ثالثة الحبيب الوطن، لكن تلك الألفاظ خبزي، سراجي، روضة، قد تؤشر أكثر إلى الوطن في دلالتها، كما ما زالت الألفاظ تؤشر إلى الحبيب، فكيف تنحسم الدلالة، إن كانت الأبيات بصورتها الفنية ولغتها العالية وإيقاعها العروضي وألفاظها الدالة ليست حاسمة، بل هي أكثر حيرة في الدلالة.
لكنها تقول:
“هل برب الحب يشكو عاشق كلما همّ عناقا قيل جن”
إذا هو الحب، المعنى الواضح الوحيد الأوحد في هذه القصيدة، لكنّ الحبّ ليس حكما في الدلالة، فهو مشترك بين الحبيب والوطن، بين المنافي والجنون، لهذا على القارئ أن يتتبع القصيدة الى بيتها الأخير، ليحكم على قصيدة (خبزي وسراجي)، هل هما عيناه أم عينا لوطن، فتقول ناديا مسك:
“أيها الموطن يا شمسي أنا إنني من غير شمسي لم أكن”
وهنا تفصل الجدل في المعنى والدلالة، لنعرف أنّ الوطن هو الدلالة الوحيدة في هذه القصيدة، ولكن لماذا أدخلتنا الشاعرة في حيرة المعنى والدلالة، في قصيدتها خبزي وسراجي، بسبب البعد عن التقرير والعمل على الصورة الفنية، والاشتغال على الدلالات والمعاني، لتثير بالقارئ كلّ هذا الحماس، لقراءة جادة في القصيدة، وتوسيع الرؤى والتخيلات في ذهنه، فتحمله بعيدا ليعود وحده حاملا المعنى والدلالة، في صورة واحدة، ألا وهي صورة الوطن.
ليست قصيدة (خبزي وسراجي) هي التي تحمل هذين اللفظين الدالين، بل أيضا يحملان في قصيدة (شعري وحروفي)، بقولها في مستهل القصيدة:
“الشعر خبزي والحروف سراجي وأنا الأميرة فوق عرشي العاجي”
فهل ستحملنا ناديا مسك إلى المعنى والدلالة في قصيدتها (شعري وحروفي)، أم نسقط ما تعلمناه في قصيدتها ألأولى على قصيدتها الثانية، ومما يؤكد ذلك قصيدتها الثالثة (تحية للوطن)، والتي تستهلها بقولها: “سلام الله يا وطني” مؤكدة على الأرض التي تعيش، وهي الأردن وإلى الأرض التي تحن، وألى الخيمة التي عاش بها المهجرون من فلسطين إلى بقاع العالم، بقولها:
“فيأتي كل شبر في ربى ألأردن
من أغواره غربا
وحتى مفرق ألأبطال
في شرقي خيمتنا”
وكلما تتبعنا قصائد الديوان وجدنا تحية للوطن أخرى، بقولها :
“من الزرقاء توصينا
..
إلى البلقاء واقفة وتائهة”
وفي مدار آخر في تحياتها للوطن، تقول:
“إلى الوطن الذي يسكننا
ونسكنه
إلى ألأردن”
وتطلق صرخة لعمان، بقولها :
“عمان جئتك والأشواق تستعر
والقلب يخفق كم أشدو وافتخر”
ناديا مسك شاعرة تمسك البحور بيدها، مطلقة ألفاظها الدالة، مشكلة صورها الفنية، راسمة صورة الحبيب والوطن، قابضة على المعنى والدلالة، في روح شعرية تمزج فيها بين حب الخليل وحب عمان، فناديا بمعنى الحب، ودلالة الوطن تحفظ لنا المعنى وتتسع بدلالة الوطن، فالوطن ليس أقليما ضيقا في قصائد ناديا مسك، بل هو الدلالة الأوسع للوجود الإنساني العربي في فلسطين والأردن، امتدادا إلى الخارطة العربية التي تثمر في دلالاتها روحا وطنية تجليها القصيدة.
شكرا للقصيدة التي نسجتها ناديا في المعنى والدلالة، لنتعرف إلى أنفسنا ماذا نحب؟، وكيف نعيش؟ ولمن نعيش؟، وكأن ناديا تقول لأجلك أعيش يا وطني.

عن محمد طكو

مؤسس ورئيس تحرير صحيفة ذي المجاز
| شاعر وإعلامي
للتواصل مع الشاعر من خلال صفحة الفيس بوك مباشرة

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز