الغروب – أميرة الرافعي*

 

 

يمر اليوم وتنقضي الساعات فتميل الشمس إلي المغيب ويخبو ضوءها ويبهت لونها ويبدو في الأفق قرصها الذهبي، فيموت النهار ويحل الليل بظلامه ليولد فينا حنينا الي الفجر والنور حيث إقبال الحياة وبهائها وجمالها، فما أقسي لحظات الغروب تلك التي ترمز لنهاية العمر والحياه والدموع والأحزان ولطالما هزت تلك الصورة وجدان الشعراء والأدباء وأفاضت قريحتهم بأعذب الكلمات وأجمل القصائد فاستمع الي الشاعر الفيلسوف مطران خليل مطران وهو يصف الغروب وكيف أنه نزعا وموتا للنهار وصرعةُ للشمس وإنتهاءاً للحياه في فلسفة عجيبة وكأن الليل والنهار هما الموت والحياة  فلسفة يختلط فيها اليأس بالأمل والخوف بالرجاء وحمرة الشفق والبحر وانحدار الشمس نحو الغروب، فتراه يرسم صورة حزينة يتمثّلها بكل العناصر من حوله.

-يا للغُرُوبِ ومابهِ من عِبْرةٍ للمُسْتَهَـامِ! وعِبْرَةٍ للرّائـي!!

أوليسَ نزْعاً للنَّهار وصَرْعةً للشَّمسِ بينَ مـآتمِ الأضـواءِ؟
أوليسَ طمساً لليقينِ ومبعـثاً للشَّكِّ بينَ غـلائلِ الظَّلْمَـاءِ؟
أوليسَ محواً للوجودِ إلى مـدىً وإبـادةً لمعـالم الأشيـــاءِ؟
-حتى يكونَ النّورُ تجديداً لـها ويكونَ شِبْهَ البعثِ عَوْدُ ذُكاءِ

أما الغروب عند ايليا ابوماضي  ليس حزنا وكآبة ولايمكن أن يغير من جمال الطبيعة وسحرها فالشاعر يدعو الي التفاؤل والأمل ونبذ الكآبة والحزن فهل يستطيع الغروب أن يسلب الزهر أريجه  أو الماء خريره أم هل يستطيع أن يمنع النسيم في الفضاء

إن كان قد ستر البلاد سهولها ووعورها
لم يسلب الزهر الأريج و لا المياه خريرها
كلّا ، و لا منع النّسائم في الفضاء مسيرها
ما زال في الورق الحفيف و في الصّبا أنفاسها
و العندليب صداحه
لا ظفره و جناحه
*
فاصغي إلى صوت الجداول جاريات في السّفوح
واستنشقي الأزهار في الجنّات ما دامت تفوح
و تمتّعي بالشّهب في الأفلاك ما دامت تلوح
من قبل أن يأتي زمان كالضّباب أو الدّخان
لا تبصرين به الغدير
و لا يلذّ لك الخرير
*
لتكن حياتك كلّها أملا جميلا طيّبا
و لتملإ الأحلام نفسك في الكهولة و الصّبى
مثل الكواكب في السماء و كالأزاهر في الرّبى
ليكن بأمر الحبّ قلبك عالما في ذاته
أزهاره لا تذبل
و نجومه لا تأفل
*
مات النهار ابن الصباح فلا تقولي كيف مات
إنّ التأمّل في الحياة يزيد أوجاع الحياة
فدعي الكآبة و الأسى و استرجعي مرح الفتاة
قد كان وجهك في الضّحى مثل الضّحى متهلّلا
فيه البشاشة و البهاء
ليكن كذلك في المساء

 

هكذا يعيش الإنسان بين أمل وألم. فالغروب كما أنه نذير لنهاية الحياة والعمر هو كذلك أمل جديد في نهاية الآلام وأنتهاء الهموم وإندثار وإنطواء صفحة الأحزان، لتبدا حياة أخري تطل علينا علاماتها الجديدة الغائبة المشرقة الناصعة فيزداد الحنين ويشتد لعالم أفضل، عالم بلا أحزان، عالم الطُوباويّة، عالم يزخر بالسعادة والمثالية، حينها تسكب العبرات وتموج الذكريات وتغرب شمس الإنكسار علي أمل أن تعود أكثر إشراقاً وروح جديدة يملأؤها السكينة والخشوع.

 

دكتورة أميرة الرافعي:  أستاذ الكيمياء غير العضوية المساعد

المركز القومي للبحوث

مصر

اترك تعليقك من فضلك

عن محمد طكو

مؤسس ورئيس تحرير صحيفة ذي المجاز | شاعر وإعلامي للتواصل مع الشاعر من خلال صفحة الفيس بوك مباشرة

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز