الزمن السوري المفقود والمستعاد طوال سبع سنوات 2011_2017:  لمن تقرع الأجراس ؟ – صحيفة ذي المجاز

الزمن السوري المفقود والمستعاد طوال سبع سنوات 2011_2017:  لمن تقرع الأجراس ؟

 

 

 

محمد زعل السلوم

 

مقدمة 

روايتان مهمتان أعيشهما في هذا الزمن وعلى أساسهما أسقطت مفهومهما على الحكاية السورية البالغة التعقيد من جانب التدخلات الاقليمية والعربية والدولية والبسيطة من جانب آخر وهي مطالب الشعب السوري في الحرية والحياة السياسية والاجتماعية والديمقراطية الحقيقية فرواية مارسيل بروست البحث عن الزمن المفقود والتي تتحدث عن كائن رائع الذكاء يبحث من طفولته عن السعادة المطلقة فلا يلقاها في الأسرة ولا في الحب ولا في العالم ويرى نفسه منساقا إلى البحث عن مطلق خارج الزمن شأن المتصوفة إلى آخر جزء حيث يستعيد زمنه لتنقلب بذلك الحياة الطويلة على نفسها وتغلق الحلقة العملاقة ، هذا الزمن الدائري الذي يشكل حلقة مفرغة أو ممتلئة من خلالها  تخيلت امكانية اسقاطه بالمطلق على الشعب السوري وسوريا والنظام والمعارضة والدول الاقليمية من ايران وتركية والعالم العربي وروسيا والصين وأمريكا وثورات الربيع العربي وأحاول عبر بحثي المبسط هذا الاجتهاد في فهم الزمن المفقود والزمن المستعاد في كل نقطة منها وتفكيك اللغز والأحجية السورية أو الطلسم السوري كما وصفه كيسنجر ذات يوم وفي القسم الثاني أتساءل لمن ستقرع الأجراس أجراس النصر وأجراس الحزن والموتى كما في رواية ارنست همنغواي والتي يتحدث فيها عن الحرب الأهلية الاسبانية وانتصار الديكتاتور فرانكو مع تداخلات الصراع العالمي في اسبانيا آنذاك من شيوعية وموسيلينية ونازية وعزلة عن العالم الغربي وتحول اسبانيا لمركز صراع في ثلاثينيات القرن الماضي حتى موت الجنرال في السبعينيات وعودة الملكية الاسبانية والديمقراطية إليها واستذكر بذات الوقت أجراس السلام التي صنعها ضابط ياباني بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية وجمع عملات معدنية من مختلف أنحاء الأرض ليصنع جرس أو ناقوس السلام في مقر الأمم المتحدة في نيويورك وقبل عام قررت صديقة يابانية أعلمتني بأنها ستصنع جرسا للسلام مع ابنة ذلك الجندي لأجل سوريا لقرعه في كل أنحاء الأرض كنوع من الصلاة لتنعم سوريا بالسلام والحرية والحياة الكريمة وعلى أمل أن تنعم الأرواح المعذبة التي سقطت في سوريا طوال هذه السنوات ولا تزال تسقط بالراحة تحت التراب

لماذا هذا البحث في الزمن السوري المفقود والمستعاد ؟

هناك أغنية فرنسية شهيرة عنوانها أن العالم يتحول للأسوأ le monde tourne mal  ولا أعلم لم علي اطلاق اسم هذا الزمن ووصفه بالزمن السوري كونه زمن الفصام العالمي وهو أقرب لوضع العالم ما قبل الحرب العالمية الأولى تتصارع فيه القوى الدولية على مناطق نفوذها فحسب ويتم تقسيم العالم على أساسها اليوم لعالمين هو الارهابيين ومكافحي الارهابيين مع أن الارهاب لا ينتج عن انظمة عادلة وانما ناتج انظمة استبدادية فروسيا بوتين تسعى مثلا لاستعادة مجد امبراطورية ضائع دون أن تأبه لأرثها اليساري وبغض النظر عن حقوق الانسان أو الطغيان وانما التوجه نحو مصلحة الدولة وصراع النفوذ فقط فضلا عن امريكا الترامبية والتي تعيش الفصام أيضا بين رئيس لا يملك فكر وايديولوجيا وانما يعتمد خطاب شعبوي تعبوي وبين تقاليد السياسة الأمريكية التي تتعارض معه فضلا عن تراجع دور امريكا اوباما في الشرق الأوسط وسحب قواته من العراق عام 2011 وعزوفه عن دعم الثورة السورية مما أعطى الفرصة لصعود الداعشية السنية والشيعية والحركات الراديكالية التي اختطفت الثورة وحولتها لحرب أهلية ومن ثم جلبت تحالف دولي ضدها فأكملت ما بدأه النظام السوري من ابادة وتدمير وتهجير للشعب السوري إضافة إلى عزوف دولي بالمقابل عن دعم قضايا السوريين المحقة في الحرية والعدالة واسقاط النظام الذي أوقف عجلة الزمن والتطور الحضاري وجلب الدمار المطلق والخراب حتى أشد تدميرا من الناصرية والصدامية والخمينية الذين أرادوا تغيير الأمة من الصفرية فعاد العرب والعالم الاسلامي إلى ما دون الصفرية ولكن نظام بشار الأسد أعادها خمسين ألف فرسخ تحت الصفرية وبذلك تجاوز حالة رواندا وبروندي أو البوسنة والهرسك بل وتجاوز الكثير من التوصيفات الاجرامية في التعاطي مع ثورة بدأت سلمية ففقد الزمن معناه الوجودي في سوريا واختلطت أبعاد الزمن الثلاثة ببعضها البعض من ماضي وحاضر ومستقبل فلم نعد نميز ان كان الزمن المفقود هو ذاته المستعاد وان كان المفقود هو المستقبل أم المستعاد هو الماضي والسؤال الأول في هذا البحث ما هو الزمن وما علاقة الزمن بالوعي ولماذا نبدأ بالمفقود لنصل إلى المستعاد ؟

ما هو مفهوم الزمن ؟ 

الانسان كائن تاريخي يدرك الزمن ادراكا واعيا وهو الكائن الوحيد الذي كتب التاريخ وقرأه فاخترع الساعات لتقيس الأحقاب والعصور بل وبحث في التاريخ فقاس عمر الأوعية الفخارية وعمر الأشجار والصخر وحتى عمر الانسان القديم ليفهم التاريخ والحضارة ودرجة التطور البشري . يقول القديس اوغستين إن الزمن هو أكثر من الشيء فهو بعد الوعي الذي يتوجه انطلاقا من الحاضر نحو المستقبل في الانتظار ونحو الماضي في التذكر ونحو الحاضر في الانتباه .

حسب ادموند هوسل فإن الوعي بالزمن هو الذي يسمح لي بوضع هويتي فالذي يتغير ليس أنا وانما مرور الزمن فهويتي إذن هي الزمن ويرى كانط أنه لا يمكننا إدراك الأشياء إلا في اطار الزمان والمكان أما بيرغسون فيرى أنه لا وجود للماضي ولا للمستقبل وليس الوقت إلا هذا الشعور بالتعاقب لهذه اللحظات الآنية ويربطه بالمكان لأن الآنية ليست من طبيعة الزمن وانما من طبيعة المكان وفي مقابل هذا الزمن الفيزيائي هناك الزمن النفسي “الديمومة” والديمومة هي الزمن الذي نحياه ونشعر به ويختلط فيه الحاضر بالمستقبل والماضي فهذه الأزمنة لا تتالى وإنما هناك زمن واحد قبل أن يتصرف فيه ذكاؤنا ويفككه إلى لحظات متمايزة .

يمكننا تقسيم هذه اللحظات المتمايزة على مسافة الزمن المفقود الذي نبحث عنه على الدوام لنستعيده ويتحول لزمن مستعاد

حسب هايدغر الوجود لا يعني الخضوع للزمن وانما يقذفك الزمن دوما نحو المستقبل ونحو الممكن ويكون عليك الاختيار وتبرير هذا الاختيار أما في السؤال عن الموت والفناء والزمن فبالنسبة لهايدجر هو الذي يجعل حياتنا فريدة لأنه لا أحد قادر أن يحيا لي حياتي ولا أحد سينوب عني بموتي لذلك فالزمن هو الذي تولد عن الموت .

ما هو مفهوم الزمن في الرواية الانسانية والبحث عن الزمن المفقود ؟

كتب الروائي الفرنسي مارسيل بروست وهو أحد ثلاثة مبدعين في القرن العشرين أثروا في الرواية الانسانية الحديثة روايته العملاقة ذات السبع أجزاء ولم تنتهي بسبب وفاته (البحث عن الزمن المفقود ) وهو سبب فكرة هذا البحث في العقل السوري بعد سبع سنوات عجاف عاشها ويعيشها بين تمرد وتشرد اضافة للروائي الهولندي جيمس جويس في روايته عوليس والتي يذكر عنها الناقد ابراهيم العريس بأن جويس اهتم بتيار الوعي المتدفق والمسيطر على الزمنين الجواني والبراني بمعنى الذاتي والموضوعي واعتقد ان الروائي السوري ابراهيم الجبين اتبع في روايته عين على الشرق في وصف دمشق  اتبع اسلوب جويس وبروست ولكنه تحدث بتفصيلية مرض التذكر او ما يسمى هايبرثيميسيا بمعنى تذكر تفاصيل التفاصيل وحال سوريا غبر قرون مستحضرا ابن تيمية وصولا لابي القعقاع السوري وواضعا حافظ الاسد في زنزانة مع اخيه رفعت الاسد ومتحدثا عن غازي كنعان واغتياله او انتحاره في مكتبه أما الروائي الثالث فهو الالماني موتسيل والذي اختصر مفهومه عن الزمن من عنوان روايته ( الانسان البلا-سمات) لكن المفارقة بالمقابل عند ابراهيم الجبين أن على الانسان السوري ان يبسن هويته التي حاول الغاءها النظام السوري طوال عقود وتحويل السوري إلى انسان بلاسمات بل هناك بدمشق السني والعلوي والدرزي والاسماعيلي والمسيحي والسرياني والآشوري والكردي والكردي الطوراني وكل الطيف السوري ولكل سماته ويالمقابل شكل الزمن عند مارسيل بروست في بحثه عن زمنه المفقود هاجس أساسي وهو علاقة الزمن بالوعي فالزمن لديه لا يمكن أن يكتمل فينتقل في ثنايا الزمن وثنايا المجتمع وثنايا ذاته الداخلية في علاقته مع هذين فالزمن المفقود عند بروست هو الزمن (الما بعد درايفوسي ) المتهكم عاكسا الذاكرة وتراكم الأحداث والعلاقات والشخصيات في روايته الدائرية التي تبدأ من حيث تنتهي بلا جديد وكأن تلك الدائرة حين تكتمل تعبر عن زمن مستعاد لكنه أشبه بثقب أو زمن مفقود مرة أخرى ليهيمن الشهزر بالضياع واليأس وفقدان التكيف مع تجربة الماضي والبؤس ازاء العلاقات الاجتماعية أمام قوة الزمن التدميرية فالزمن هو أساس الوعس والوعي هو أساس الزمن وهو ما نجده لدى ابراهيم جبين في مرض الذاكرة الجنوني بروايته عين الشرق وكأن تلك العين هي آلة زمنية تستحضر شخصيات الماضي والحاضر دفعة واحدة أما هايدجر فيرى أن الزمن والأبدية يتناقضان والزمن المستعاد هو الزمن الأبدي وهناك قرون متناقضة لكنها تتكامل في التقاط الذاكرة والوجود المحسوس.

جدلية الزمن المفقود والمستعاد لدى السوريين

استمد السوريون جدليتهم في الزمن المفقود وبالأحرى المسلوب والمشوه في ذاكرتهم والذين يحاولون البحث في ثناياه معافى دون مسوخ مريضة وتنقيته والزمن المستعاد من المسار العضوي بين مسارات الفرد والوطن والأمة وجوهرهم في الانتماء العربي والاسلامي رغم التنوع الغني في المجتمع السوري فقد تدفق في تيار واحد جارف وانفجر دفعة واحدة في وجه الطغيان رغم ما دار حول تلك المسارات من منحنيات قمعية غير مسبوقة في لحظة تطور اجتماعي تاريخي انكر النظام تطوره وتحوله الهائل وكأنه زمن غير زمنه ولكن الشعب السوري في بحثه الدائم الملح والحثيث عن زمنه المفقود وجد ذاته التائهة معلنا أن ( الشعب السوري كا بينذل) فقام كل طرف سوري بالصراع وأقصد النظام مقابل الشعب بالاسراع في البحث عن زمنه والتحصن فيه لمواجهة الطرف الثاني فالمواطن بحث بكل بساطة عن حريته من خلال حرية وطنه وضرورة ايجاد زمنه المفقود والمسلوب والمحتكر من قبل السلطة طوال عقود ليواجه منغصات ومعاناة غير مسبوقة ويخوض دروب طويلة من الآلام حاملا صليبه على كتفه فالحرية مصادرة والآلية القمعية سائدة ومستوطنة بل وازدادت حدة بفعل أطراف الصراع رغم أن النظام السوري هو المسؤول الرئيسي عنها.

شخصية السوري الذي قام بالثورة على نظام قمعي هو صاحب الأزمة ليعيش صراع بين الضابط والمضبوط والقامع والمقموع والآمر والمنفذ ليتعرض لكافة ألوان القهر التي تحل بإنسان ومحاولات الترويض البائسة من نظام مجنون منزلا عليه كافة أشكال القهر ليتجانس هذا السوري مع نظامه القهري الذي يرفض بل ويلغي كل من يختلف معه ويصر على تحويل الناس إلى قطيع من الماشية تقاد فتنقاد وكما اعتاد طوال عقود والاستحواذ على الآخر كلون من ألوان العبودية وفقد الندية والفردية في مزرعة القائد وعائلته المافيوية الجشعة

كانت الثورة السلمية في البداية كنوع من المتنفس العميق لهذا الواقع المزرى والتوحد معها حد الانغماس في هذه الحركة المجتمعية الجارفة في ظل سلطة تعتبر الفرد فيها سقط متاع وكبش فداء لرأس النظام فرحلة البحث عن الحرية كانت رحلة بحث مضنية عن زمن مفقود وهو زمن الاستقلال الثاني من المستعمر أو وكيله بالأحرى وبالتالي البدء بمرحلة ( الصفر الاستعماري ) أي اعادة بناء وطن مسلوب وهو تعبير استخدمه المعارض رياض ترك اثر سقوط بغداد عام 2003 على يد الجيش الامريكي لأن مرحلة ما بعد الاستقلال والأنظمة الديكتاتورية العربية قادت كما ذكرنا إلى ما تحت الصفرية بكثير من الدرجات وقد تميز الشعب السوري طوال سبع سنوات عجاف بطابع التمرد والثورة حتى في بلاد الملاجئ فضلا عن مواجهة الموت والفقد والدمار .

يذكر برهان غليون في كتابه (بيان من أجل الديمقراطية) الصادر عام 1976 : ” لم يتحول الشعب إلى أمة قادرة على تقوية استقلالها وتأكيد مصالحها الحيوية القريبة والبعيدة في وجه التدخل الأجنبي وفي وجه فرض السياسات والمواقف التي تخدم المصالح الخارجية وتجعل من الدولة العربية قاعدة للاستعمار الجديد ضد مصالح شعبها ذاته ولكنه تحول إلى اقطاعات قرون وسطى ضعيفة وهزيلة تلعب بها الدول الأخرى وتستخدمها في نزاعاتها الدولية وتوجهها الواحدة ضد الأخرى وتحول الشعب المسكين إلى شعب من اللاجئين ليس في المناطق المحتلة فقط ولكن ،وهذا أشد كربا، في المناطق التي لم تحتل بعد ، إن أمة من العبيد لا يمكن أن تكون إلا من عبيد الأمم “.

ما هو الزمن المفقود والمستعاد لدى الشعب السوري من جهة والنظام السوري من جهة أخرى ؟ 

تعرض الشعب السوري طوال عقود إلى رضوض خطرة أثرت على السيكولوجيا الفردية والجماعية دخلت كلها في خزان التجربة والمرارة ثم انفجر هذا الخزان دفعة واحدة على طريقة (المعاد) مستعيدا بشكل مندلق وغاضب كل ما ترسب واستقر في الاعماق والأنفس متحولا من السكون إلى الحركة ومن الهدوء إلى الانفجار

فقد انتصر النظام منتصرا في صراعه مع الاخوان المسلمين بعد مجزرة حماة عام 1982 وتحولت سوريا إلى دولة بوليسية ولكن صعد جيل لم ينشأ في ظل المجزرة ولا يتذكرها.

تجاوز الشعب السوري أيضا محنة التوريث الذي انتقل فيه الحكم من الآب إلى الابن على أمل التغيير عام 2000 بزعامة رئيس شاب عاش تجربة قصيرة في الغرب ووعد بإصلاحات لكنه لم ينفذها .

ففي عام 2001 وتفجير برجي التجارة بنيويورك اعلنت الولايات المتحدة حربها على الارهاب فتورطت في افغانستان ثم في عام 2003 في العراق وكانت بذلك على ابواب دمشق فوقف الشعب السوري إلى جانب النظام وفي عام 2005 واغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني واتهام النظام بالوقوف وراء اغتياله وانسحاب القوات السورية من لينان على اثرها وتشكيل محكمة دولية وعزلة دولية فرضها العالم على النظام التف الشعب السوري مرة أخرى حول النظام رغم التهديدات التي تعرض لها بالتدخل الدولي عام 2003 ثم عام 2005 والمفارقة أنه حين خرج الشعب على النظام عام 2011 امتنعت القوى الغربية ذاتها عن التدخل ضد النظام .

ضعفت الولايات المتحدة في العراق بعد عام 2006 وخرج النظام من عزلته عام 2007 وشعر الشعب بالمقابل بالغبن نتيجة اخلال النظام السوري بوعوده مجددا وترافق ذلك مع احتقان شعبي ضده على خلفية العوامل الموضوعية الآتية آنذاك :

  • النتائج الكارثية للسياسات الاقتصادية وما سمي آنذاك الصدمة الاقتصادية بناءا على نصائح البنك الدولي الغير مبررة
  • ضريبة المواقف الخارجية اهمها الانفتاح على تركية على حساب تجار وصناعات سورية هامة خاصة في ريف دمشق
  • استثمار أراضي وغياب تعويض عادل مثل مشروع دمشق الجديدة وحلم حمص
  • الجفاف واهمال الزراعة ونزوح ابناء العشائر العربية في الحسكة بمئات الآلاف إلى دمشق في حين استقبل السوريون شيعة لبنان عام 2006 في قلوبهم وبيوتهم اثر حرب تموز آنذاك وبالمقابل كان عرب سوريون من محافظة الحسكة مشردون في شوارع دمشق وقام النظام بالتعتيم على تلك الكارثة.

بعد اندلاع الثورة اثر ثورات الربيع العربي وهي السبب المباشر لاندلاع الثورة السورية خاصة بعد نجاح ثورتي تونس ومصر . تصاعدت الثورة السورية فاتبع النظام نموذج حماة على نطاق واسع في محاولة لاستعادة زمنه المفقود وتجاوز ارباكه ثم تبنى نموذج قصف غروزني ضد المدن السورية كافة فاستعاد زمن اجرام والده في حماة وتدمر وتجربة بوتين في الشيشان فمن وجهة نظر رأس النظام فإن المجتمع السوري لا يمتلك التجربة والعادات والتقاليد الغربية ولمح بخبث في تصريحاته لمقولة الشرق الجامد الذي لا يتغير وغير قابل للتجديد لتذكير الغرب بالعقلية الاستشراقية فضلا عن نظرته الاستعلائية على الشعب السوري بأن الشعب السوري غير قابل للانفتاح الديمقراطي.

كما ينتمي بشار الاسد إلى فئة الذئاب الشابة حسب تعبير المفكر العربي عزمي بشارة وانه من أبناء الاغنياء والمسؤولين عديمي المؤهلات الذين احاطوا به ومنهم من كان غنيا ومنهم من اغتنى بسبب هذه العلاقة.

ظهور الراديكالية الداعشية السنية كانت ام شيعية في زمنها المفقود والمستعاد ؟

كان الربيع العربي في تونس ومصر المفجر الرئيسي للثورة السورية والشرارة التي أشعلت النيران في هشيم عروش متصدعة لا شرعية لها أصلا وغير قابلة للتغيير والتجديد فعليا في مجتمعاتها ودول فاشلة لا تتطور فالانتماء العربي والاسلامي لدى الشعب السوري هو انتماء متجذر وعميق فرغم وجود ثورات في كافة أنحاء العالم وعلى مدى عقود إلا أن ما حصل في تونس ومصر هو المحرك الأساس.

استمرت الثورة السورية كثورة من عام 2011 إلى عام 2013 لتتحول بعدها لحرب أهلية ثم قامت الحركات الراديكالية الاسلامية بمصادرة الثورة وقامت بتصفية الجيش الحر الملتزم بمبادئ الثورة وحتى الحركات الاسلامية الملتزمة بمبادئ الثورة انشغلت في التقاتل فيما بينها فالراديكالية أكملت ما بدأه النظام ضد الثورة وقمعت القوى المدنية ومع أنها كانت قادرة على هزيمة النظام عام 2014 حتى بحالتها الفوضوية لكنها لم تستطع تأسيس نظام بديل وبإجماع العالم وأدى لعزوفه بالمقابل وتعرضت سوريا بذلك لثلاث تحولات دراماتيكية من الناحية الاجتماعية والجيوسياسية من 2011 حتى 2017 فبدأت بثورة مدنية سلمية سرعان ما تحولت لحمل السلاح لمواجهة القمع الشامل وغير المسبوق ثم   انقلبت عام 2013 لحرب واقتتال أهلي استخدمت فيه كافة الوسائل في الابادة والتهجير لتنتهي إلى الفصائل الاسلامية التي تصدرت المشهد إلى زوالها تقريبا خاصة بالشهر الأحير مع زوال داعش من عاصمتها الرقة بعد تقدم قوات سوريا الديمقراطية وسيطرة قوات النظام والميليشيات الشيعية على دير الزور وتدخل القوات التركية على إدلب وطان لظهور الداعشية السنية والشيعية على حد سواء والقائمة على عقيدة القتل والذبح والمنعزلة عن المجتمعات المدنية للحديثة في العالم العربي والاسلامي والذين لم ولنن يصلوا لأي هدف وانما مجرد حالة تكفيرية تدميرية .

الاهداف الروسية الامريكية العربية الايرانية التركية الكردية في الزمن السوري ؟

تتفق كل من روسيا وأمريكا على تقسيم عالم اليوم إلى ارهابيين ومكافحي الارهابيين رغم الاهداف الروسية المعلنة لتدخلها في سوريا عام 2015 نذكر منها حماية مصالح روسيا في سوريا لوجود قاعدة بحرية تابعة لها في طرطوس والحفاظ على المصالح الاستراتيجية والقول ان روسيا لا تزال قوة يعتد بها على الساحة الدولية خاصة بعد الاطاحة بحلفائها بالعالم العربي مثل صدام حسين والقذافي وهدفها في قتال الجماعات الراديكالية نتيجة حربيها في الشيشان وهزيمتها التاريخية في افغانستان ورفع الدعم للرئيس بوتين اثر العقوبات الغربية المفروضة على روسيا بعد ضم الأخيرة لشبه جزيرة القرم من اوكرانيا وتدني اسعار النفط وقبلها التدخل في جورجيا علم 2008 واستعادة ابخازيا  وأوسيتا فضلا عن ملايين الروس الذين دخلوا في الطبقة الفقيرة وبالتالي فالعمليات الروسية في سوريا تشغل الناس عن الأوضاع الداخلية وترفع سوية الاعتزاز الوطني والهدف الأخير كان ليع وتسويق اسلحتها المدمرة على الشعب السوري كدعاية للتصنيع العسكري ولا ننسى هنا عن تسريبات عن دعم وتمويل عربي للعمليات الجوية الروسية في سوريا.

أما الولايات المتحدة فكان تحالفها في شمال سوريا وجنوبها واضح وبذات الوقت تتبع نفس استراتيجية الروس فهما لا يبحثان فعليا عن حلول وانما صراع نفوذ وتجنب لاشتباك مباشر تحت مسمى مكافحة الارهاب فالاثنتان لا تدافعان كما ذكرنا في مقدمة البحث عن قيم وايديولوجيات ولا يهمها وجود انظمة استبدادية من عدمها كما لم تتبنى روسيا بديل الشيوعية ولا الديمقراطية الليبرالية فزمننها المستعاد أنها ذات نزعة امبراطورية رغم تناقض الروح الامبراطورية التي تقبل التنوع وبالتالي تتناقض مع القومية وبالتالي فالمشروع الروسي قائم على وطنية ترتكز لرأسمالية الدولة التي تخاطب الشعور الوطني وترفض الغرب وكان تدخل روسيا نتيجة عاملين أمريكيين هما غياب استراتيجية اوباما والتنبؤ برد فعل امريكي فاتر وضعف الدعم الامريكي للمعارضة السورية المسلحة المعتدلة

حتى الدول العربية لم تقف مع الثورة أو تطلعات الشعب السوري انما كان هدفها الضغط على ايران وايقاف مشروعها الطائفي ومن المعلوم أن المشروع القومي العربي انحسر بعد نكسة 1967 واجتياح الكويت عام 1991 وبالمقابل انحسر المشروع الايراني التي تتباهى بحرب 2006 التي خاضها وكيله ميليشيا حزب الله الشيعي ضد اسرائيل وتستعيد ايران زمنها المفقود بتدمير الشام كعلامات ساذجة دينية مثل الثأر للحسين وقرب ظهور المهدي وتحت هذه المسميات السطحية تستجلب الشيعة لقتال السنة لتبرز نفسها أن الشيعة هو دين فارسي وكادت ان تنهار قواتها على الأرض السورية بالكامل اضافة للنظام الذي تدعمه عامي 2014 و2015 فانقذها التدخل الروسي ورفع العقوبات الغربية واليوم تحاول استعادة دورها عبر اجتياح كركوك بالميليشيا الشيعية التابعة لها والموصل ودير الزور وتدريبات في القنيطرة قبالة الجولان السوري المحتل ومشروع توحيد الجبهتين السورية اللبنانية تحت مسمى التحرير ومع ذلك فهي مرفوضة وملفوظة ديمغرافيا وغير أصيلة على الأرض السورية رغم محاولات النظام السوري المكشوفة تجنيس المرتزقة الشيعة وسقط لهم عشرات ألوف القتلى في صلافة داعشية شيعية وحرب طائفية بلا هدف.

أخيرا الزمن الاسرائيلي المتخوف على الأقل رسميا من التدخل والتوغل الايراني في القرار السوري والتي تحاول اقامة ادارة مدنية في المناطق المحررة من النظام على شريط الجولان وتتفق اسرائيل مع الاردن وروسيا على منطقة عازلة ورغم غاراتها في عمق الاراضي السورية إلا أنها سعيدة للدمار السوري الهائل . عدا تحويل الجنوب السوري المتمرد على النظام إلى غزة سورية محاصرة من قبل الأردن واسرائيل وتحويل الجيش الحر فيها لدور الجيش اللبناني بمعركة تحرير الجرود بمعنى مهمته محصورة فقط بمقاتلة داعش وعدم الاشتباك مع قوات النظام السوري .

أما الأكراد فبعد سيطرتهم على الرقة وتحالفهم مع العرب إلا أنهم يشكلون تهديدا على الهوية العربية في المناطق السورية الشمالية مع نزعتهم القومية واستفتاء كردستان العراق الأخير فضلا عن تهديدهم لتركية ورفعهم لصور اوجلان من رأس العين بالحسكة السورية إلى منبج التي يسيطر عليها الأكراد أيضا ضمن قوات سوريا الديمقراطية الاي يشكل العرب فيها ما نسبته 60 بالمئة ومع ذلك يفرض الاكراد لغتهم بالمدارس حتى على الاطفال العرب كما دمروا عدة قرى عريية بالكامل في دير الزور والرقة وبدعم وتغطية أمريكية بحجة داعش ومن السهل توجيه التهمة لأي عربي في الحسكة والرقة ودير الزور كداعشي في اسلوب قمعي هدفه تهجير العرب من قراهم وترحيلهم فضلا عن منطقة عفرين الخاضعة كجزيرة كردية معزولة للقوات الكردية

الزمن التركي مختلف اليوم خاصة بعد التدخل العسكري التركي في ادلب وصعود تركية كدولة اقليمية لديها تدخلات عسكرية قي العراق وسوريا وقاعدتين في الصومال وقطر فضلا عن استقبالها حوالي اربعة ملايين لاجئ سوري ودعمها لقوات درع الفرات في مواجهة المشروع الكردي الذي بدأ منذ عام 1984 في حلم كردستان الكبرى وحماية مصالحها العربية عدا كونها عضو في حلف الناتو وفي حالة نزاع مع الاتحاد الاوروبي للانضمام اليه منذ عقود من الزمن وتقربها من الروس مؤخرا وخلافاتها مع الولايات المتحدة حول التأشيرات ومطالبتها بتسليم المعارض غولن المتورط بتخطيط محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز 2016 فضلا عن خلافها مع الامريكيين في دعمها لأكراد سوريا .

خاتمة :

أحاول في عجالة تلخيص أو البحث عن نتائج لأطرح تساؤلات بالمقابل وهي هل زمن سوريا التي نعرفها وعرفناها توقف أما زمن متحرك بجنون نحو الهاوية أم على السوريين القبول بالتجانس والعيش في زمن متجانس وهل يقبل السوريون الذين اكتشفوا الفجوة الحضارية بين بلادهم وبلاد اللجوء الغربية اضافة لتركية التي هاجروا إليها مرغمين وهم يعبرون البحار يواجهوا الغرق والموت وهل زمن الجيل السوري الذي يترعرع في برلين وستوكهولم وامستردام واسطنبول سيكون ذاته الذي ولد وترعرع في دمشق وهل من أمل في العودة واستعادة الذات الوطنية لوطن منقسم على ذاته ويعيش اصطفافات داخلية وخارجية اقليمية ودولية .

هل علينا ان نقبل وجود مزارات شيعية لصحابة سنة بالأساس تحت تزويرات حكم الملالي في طهران وبسذاجة تبرر احتلال فارسي لبلادنا وهل ستتحول سوريا لأفغانستان أخرى للروس أم فيتنام للأمريكيين أم على ايران ان تستسلم للشعب السوري كما استسلمت لصدام حسين عام 1988 أم سيستمر الصراع الطائفي اللذان تجسدهما كل من تركية السنية العثمانية الجديدة والصاعدة في مواجهة التشيع الفارسي أم سيبقى النظام الذي مزق سوريا وحطم هويتها وتشرذم ابناؤها أسئلة في رسم الزمن الغامض الضائع .

المراجع :

  • بشارة ، عزمي ، سورية : درب الآلام نحو الحرية ( بيروت ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2013 )

-بشارة ، عزمي ، في المسألة العربية ، مقدمة لبيان ديمقراطي عربي ( بيروت ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2010 )

  • غليون ، برهان ، بيان من أجل الديمقراطية عام 1976 ط5 ( الدار البيضاء ، المغرب ، المركز الثقافي العريي ، 2006 ) ص 115

-غاستون ، باشلار ، جدلية الزمن ، ترجمة : خليل أحمد خليل ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر 1992 ط3

-ستيس ، ولتر ، الزمان والأزل مقال في فلسفة الدين ، ترجمة : د زكريا ابراهيم القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2013

  • سعيد ، ادوارد ، تعقيبات على الاستشراق

  • خطابات بشار الأسد ولقاءاته

-لقاء مع ابراهيم الجبين مع اورينت

_ مقال ابرهيم العريس في الحياة اللندنية حول رواية البحث عن الزمن المفقود لمارسيل بروست

على اليوتيوب :

  • اقتلوه خارج دمشق الجزيرة الوثائقية

  • الطفل الذي أشعل الثورة الجزيرة الوثائقية

  • مفهوم الزمن في القرآن الكريم فيصل كيالي

-لقاء مع سعد محيو وأمير الموسوي

-لقاء في تلفزيون العريي شهر ابلول 2017 مع عزمي بشارة

-لقاء مع سركيس نعوم في تشرين الاول 2017 في تلفزيون الجديد

-الدولة الفاطمية الجزيرة الوثائقية

-الانسان والعلم ، حلقة الزمن ، مصطفى محمود

-سوريا . المهمة الأخيرة الجزبرة الوثائقية

-المسافة صفر الجزيرة الوثائقية

-الشيعة ومفهوم المهدي المنتظر موقع الكتروني

-ابو القعقاع السوري . الجزيرة الوثائقية

  • نهايات غامضة : غازي كنعان الجزيرة الوثائقية

  • le temps et la conaissance philosophie

 

اترك تعليقك من فضلك

عن محمد طكو

مؤسس ورئيس تحرير صحيفة ذي المجاز | شاعر وإعلامي للتواصل مع الشاعر من خلال صفحة الفيس بوك مباشرة

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز