ابن خلدون…أول عالم إسلامي مؤسس لعلم الاجتماع / بقلم : روعة محسن الدندن

  • ابن خلدون…أول عالم إسلامي مؤسس لعلم الاجتماع.
  • بقلم الإعلامية الباحثة : روعة محسن الدندن .

 

هو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي ، مؤرخ عربي ولد في تونس وأندلسي الأصل ، عاش في أقطار الشمال الإفريقي وتوجه لمصر ، حيث أكرمه سلطانها الظاهر برقوق وولي فيها قضاء المالكية وظل بها مايناهز ربع قرن(784. 808هـ) . وتوفي (1406هـ) عن عمر ستة وسبعين عاما ودفن بشمال القاهرة .

يعد ابن خلدون أول عالم إسلامي أسس علم الاجتماع بكتابه (المقدمة) وهي الجزء الأول من كتاب العبر ، ويتكون (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر.في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر) من سبعة اجزاء . والجزء الثامن للفهارس وهو عبارة عن محاولة إسلامية لفهم التاريخ العالمي ويعتبر من أوائل الكتب التي تهتم بعلم المجتمع وقد ترجم إلى العديد من اللغات الحية . وعليه ترتكز مكانة ابن خلدون وشهرته لأن مسعاه من المقدمة في الجزء الأول من كتاب العبر هو أن يضع نفسه في فئة المؤرخين ليقفو آثر المسعودي(346هـ) ، مصححا بعض ما وقع فيه من أخطاء إلا أنه يصعب على المراجعين أن يصنفوه ضمن المؤرخين كونه أخذ في مقدمته من كل علم بطرف حيث تحدث عن كل ما يخص الإنسان من معنويات وماديات ما ذهب اليه من آراء بشواهد من القرآن الكريم وديوان العرب الشعري ، ونظرا لمكانته العلمية فقد حظيت المقدمة منذ أن وقعت عليها الأنظار بعناية المفكرين والمؤرخين وعلماء الاجتماع والفلاسفة واللغويين غربا ومستشرقين . كما طبعت عدة مرات بتحقيقات مختلفة .

وتتخلص (المقدمة) في مجموعة نظريات وأسس وضعها ابن خلدون مما جعله المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع على عكس ما يدعيه علماء الغرب أن المؤسس الحقيقي هو الفرنسي أوغست كونت .

اعتمدت المقدمة على ثلاثة مفاهيم أساسية هي أن المجتمعات البشرية تسير وتمضي وفق قوانين محددة وهذه القوانيين تسمح بقدر من التنبؤ بالمستقبل إذا ما درست وفُقهت جيدا وأن هذا العلم علم العمران كما أسماه وهو لا يتأثر بالحوادث الفردية وانما يتأثر بالمجتمعات ككل. وأكد أخيرا أن هذه القوانيين يمكن تطبيقها على مجتمعات متعايشة في أزمنة مختلفة بشرط أن تكون البنى واحدة في جميعها .. مثال. المجتمع الزراعي هو نفس المجتمع الزراعي بعد 100سنة أو في العصر نفسه وبذلك يكون ابن خلدون هو من وضع الأسس الحقيقية لعلم الاجتماع وأول من وصفه على أسسه الحديثة كما سبق غيره من المفكرين وسابقا بذلك الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت .

ومن خلال توصله لنظريات باهرة من العلم حول قوانيين العمرانونظرية العصبية وبناء الدولة وأطوار عمارها وسقوطها وآراؤه ونظرياته سبقت بذلك مشاهير العلماء .

ويعتبر كتابه مؤلفا منفصلا ذا طابع موسوعي بحيث تناول جميع ميادين المعرفة من الشريعة والتاريخ والجفرافيا والاقتصاد والعمران والاجتماع والسياسة والطب وكما تناول أحوال البشر واختلافطبائعهم والبيئة وأثرها في الانسان وكما تناول بالدراسة تطور الأمم والشعوب ونشوء الدولة وأسباب انهيارها مركزا في تفسيره لذلك على مفهموم العصبية وسنبحث معا هذا المفهوم لابن خلدون  لمواجهة عالمنا المعاصر بعد ذكر أبواب المقدمة حيث تضمنت ستة أبواب لموضوعات متنوعة: 

1ـ الباب الأول – في العمران البشري على الجملة وأصنافه وقسطه من
الأرض.

2ـ الباب الثاني- في العمران البدوي وذكر القبائل والأمم المتوحشة.

3ـالباب الثالث- في الدولة والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانية.

4ـ الباب الرابع- في العمران الحضري والبلدان.

5ـالباب الخامس – في الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه.

6ـالباب السادس – في العلوم واكتسابها وتعلمها.

 

وبهذا نجد أن ابن خلدون من أعظم العقول في تراث الفكر الإسلامي وأن مقدمته من أهم كتب التاريخ والثقافة والمجتمع والحضارة والقوة السياسية وقد أعجب بفكره الفاعل الراقي المؤرخون ، وحاز على اهتمامهم لحكمته عن صعود وسقوط القوى العظمى ، وقد امتدحه الماركسيون لأفكاره الثاقبة عن قدرة القوى الاقتصادية في تشكيلالمواقف الفردية والعلاقات الاجتماعية ليعده البعض أعظم فلاسفة الحضارة لأنه شخصية تحظى باهتمام كبير وأهمية دائمة بغض النظر عن الزواية التي يتناولها.

يرتبط مفهوم ابن خلدون لتماسك والتضامن الاجتماعي ما جاء في القرآن في سورة الأنفال الآية – 46-  “وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) صدق الله العظيم .

نوه هنا لتناحر بين افراد نفس المجموعة أو نفس الأمة بين بعضهم بقوة وشد أنه سيفقدون ريحهم أي قوتهم ويتعثرون في كل جوانب الحياة وكأنها رسالة لنا في ظل الفوضى العالمية وانعدام الأمن منخلال التاريخ ليمنحنا مفتاح رفاهية المجتمع المادية والروحية من خلال التمسك والتضامن الاجتماعي ، لان البشر بطبيعتهم كائنات اجتماعية لابد أن يعيشوا معا للحفاظ على نسلهم ولتلبية احتياجاتهم الأساسية وهو ما جعلها كائنات قابلة للحضارة من خلال تسخير الطبائع الحيوانية المدمرة الكامنة في الإنسان وذلك عندما يتعلم البشر كيفية التعايش ومساعدة بعضهم وهذا يتطلب مجموعة من المبادئ الأخلاقية والسياسية ويكون هدفها التوحد ، وأما من فقدوا تماسكهم الاجتماعي تجاوزهم الآخرون الذين حافظوا على وحدتهم وقوتهم ومرونتهم وهذا مايحدث في دولنا ودول الغرب وهذا المفهموم مركز ابن خلدون بمفهوم العصبية أي التضامن والتماسك الاجتماعي ، لان العصبية هي الغراء الذي يربط البشر ويعطيهم القوة والقدرة على حمايتهم من المعتدين الخارجيين ومن خلالها يحققون السلام والنظام فيما بينهم لتتشكل الحضارة من خلال البناء(العمران) .

لكننا نجد أيضا معضلة خلدونية عندما تتحد مجموعة من الناس تحكمهم العصبية وتصل بهم إلى الحضرية وتبلغ الحضارة ، فإنهم يفقدون تماسكهم الاجتماعي وشعورهم بالتضامن وذلك عندمايتمتع أفراده بالحياة الحضرية فيصيبهم الكسل والتراخي والضعف من حماية أنفسهم من هجمات الذين يحتفظون بفضائلهم البدوية ولديهم قدرات المحاربين ولكنها مسألة وقت قبل أن يتجاوزهم البعض .

هذا ثمن الحضارة من خلال نظرة ابن خلدون عندما يفقد الأفراد عصبيتهم فيفقدون أصالتهم بفقدانهم تماسكهم وتضامنهم الجماعي وما صاحبها من صفات نبيلة حتى تصبح متكررة لأن الدورة الاجتماعية الأبدية ترتفع لتسقط قبائل وأمم و إمبراطوريات .

وقد حدد ابن خلدون عمر هذه الدورة بأربعة أجيال أي مايزيد عن قرن من الزمن و اعتقد ابن خلدون أن أهم أسس للتماسك الاجتماعي هو القرابة لأنها الأقوى ولا أحد يجرؤ على الهجوم على هؤلاء وخاصة الذين لديهم علاقة قرابة قوية ، ولكن بالمقابل هؤلاء يفقدون إحساس القرابة عندما يسكنون المدن وينخرطون بالحضارة ، وهنا يرى ابن خلدون لا وسيلة للخروج من هذه المعضلة التي تنال السلطة والحياة الحضرية والحضارة بعصبيتها عندما تتمتع بمزايا  الحياة المستقرة المتحضرة فإنها تفقد تماسها وهي نظرية منطقية للمجموعات الصغيرة مثل القبائل .

هل يمكننا ان نطرح نظريته لترتقي للمجتمعات الاكبر؟ كما أنهانظرية قبلية تعتمد على قاعدة صغيرة عفا عليها الزمن؟

وهنا علينا أن نوسع إدراكنا ومفاهيمنا لفهم فكرته في التماس  والتضامن الاجتماعي والتحضر والحضارة إلى إلى الأماكن الحضرية الأكبر والتجمعات العالمية لأن عالمنا الإسلامي المعاصر يعاني من فقدانه للتماسك الاجتماعي والوحدة الحضارية ،كما أن فشل وضعف الدول والكيانات الفاعلة غير الحكومية والقبلية والطائفية والقومية والعرقية والكثير من المشاكل تحرم مجتمعاتنا الإسلامية من أي وحدة أو ترابط يحميها من المعتدين ليستوعب مواردها الفكرية والمادية للثقافة والحضارة ولذلك وجب على مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة أن تقرأ لابن خلدون في ضوء مأزقها الحالي  رغم اأن مهمة الحفاظ على التماسك الاجتماعي والحضاري للمدنية مهمة شاقة ، ولكن يجب علينا التحدي لمواجهتها ولنتغلب على كثير من أمراض عالمنا المعاصر .

 

  • بقلم / روعة محسن الدندن.
اترك تعليقك من فضلك

عن ياسين عرعار

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز