حوار في ظل سيرة الأديب محمود عمر خيتي / حاوره الدكتور : السيد إبراهيم أحمد

 

 

  • حوار في ظل سيرة الأديب محمود عمر خيتي .
  • حاوره الدكتور : السيد إبراهيم أحمد .

هو من أصول العشيرة البدرانية التي كانت تقطن حضرموت في اليمن السعيد ثم هاجرت إلى بلاد الشام قبل أربعة قرون، وأقامت في مدينة حمص، ثم انتقلت إلى مدينة دوما كبرى مدن غوطة دمشق والتي تبعد عن العاصمة أقل من عشرة كيلومترات. جاء إلى الدنيا في صباح اليوم العاشر من شهر يوليو عام 1952 الطفل محمود عمر خَيتي المولود الأول في أسرته والذي جاء إثر رؤيا ــ تحققت بمقدمه ــ رآها والده الحزين على فقده لطفلته قبل عامين، بَشَّرهُ فيها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن الله سيعوضه بذرية طيبة بخمسة من الذكور.

محمود عمر خيتي هو المعلم المدرس المحاضر، وهو الباحث التربوي اللغوي، وهو الأديب الكاتب الشاعر القاصّ، والفنان الخطاط الرسام.كانت جامعة دمشق موئله العلمي من الليسانس إلى الدكتوراه وتخرج في كليتي الآداب والتربية، وتخصص في العلوم اللغوية، وتحديدًا في علم الدلالة وعلم المصطلحات. وهو عضو شرف في رابطة شعراء العرب، ومؤسس ورئيس تحرير موقع “كبار المدققين اللغويين”على الشابكة (الإنترنت)، وله كثير من المقالات في شتى الموضوعات على مواقع التواصل الاجتماعي وله محبون ومتابعون كثر.عمل في سلك التعليم في المراحل جميعها لربع قرن، ثم عمل مدققًا لغويًا خمسة عشر عامًا ودقق في نحو مئتي كتاب.

أصدر في تسعينيات القرن العشرين دواوينه: “أبجدية الحب والرحيل” و”زركشة بريشة ناعمة” و”حب ورصاص”، ومجموعته القصصية:”باقة للحب الآخر”، كما أصدر في 2015 ديوانه: “الشام في عيني”،وأعدَّ كتاب:”الأحكام المرضية من الشمائل المحمدية” للشيخ محمد لطفي الفيومي، وله تحت الطبع عدة دواوين ومجموعات قصصية وشعرية للأطفال ورواية ومسرحية، وهذا غير مقالاته ودراساته المنشورة في المجلات الأدبية والجامعية المحكمة.

لم يراوح محمود عمر خيتي مقعده في المركز الأول والثاني والثالث من الجـوائـز الأدبية والتقديرية التي حصدها عبر فنون كثيرة، منها: الشعر والقصة القصيرة وقصص الأطفال والخط العربي وتجويد القرآن الكريم والرسم، من عدة دول وجهات، هي: المملكة العربية السعودية، الجمهورية العربية السورية، جامعة الإمارات العربية المتحدة، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، علاوة على شهادة تقدير من مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.

أما على المستوى الاجتماعي فقد تزوج من السيدة هاديا محمد خير الشربجي الدمشقية المولد والحاصلة على ليسانس في الدراسات الإسلامية، وله من البنين: مؤمن ومؤيد، ومن البنات: نور ولينة ودعاء وترتيل وتسبيح.

في هذه السيرة حاولت جاهدًا الإيجاز دونما خلل، وهي على وجازتها كافية لتعطي قارئها دلالة على تاريخ وأعمال وإبداعات الأديب محمود عمر خيتي الذي نحاوره في ظل سيرته ومسيرته العلمية والتعليمية والعائلية، والمهنية، والإبداعية:

ــ تقتضي بعض شروط سرد السيرة الذاتية أن يتناول الشخص كتابة تاريخه وقصة حياته بقلمه، وضرورة أن يكون السرد متواصلاً لا انقطاع فيه بعيدًا عن الانتقائية، فهل التزم ضيفنا بهذه الشروط وهو يكتب سيرته الذاتية “قال لي الظل”؟

ــــ أتوجَّهُ إليكم ابتداءً بالتحية والتقدير للحفاوة التي لقيتها في سطور هذا التقديم الضافي، وأسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم، وظنكم بي كبير. وأُثني على تغاضيكم عن تقصيري في إتحاف القارئ العربي بما كنت أمّلتُ أن أقدِّمه له؛ إذ لا أرى أن ما قدمته إلا كبعض الماء من بحور أساتذتي الذين أنشؤوني وهذبوني وأعطوني أمانة القلم والكلمة، وتلك أمانة ثقيلة تنوء بحملها الجبال الراسخات من أساتذتي الكبار: (أحمد راتب النفاخ وشكري فيصل وشاكر الفحام وعزيزة مريدن ومحمد صالح الأشتر وربحي كمال ومازن المبارك ومحمد حسام الخطيب ومحمد رضوان الداية والطيب تيزيني وفاخر عاقل ونعيم الحمصي ونعيم الرفاعي وفخر الدين القلّا وموسى الخوري وغيرهم…).

من هذه النقطة أخي الأستاذ القدير السيد إبراهيم أدخل في الحديث عن سيرتي الذاتية التي كان ينبغي لها أن تكون خاتمة أعمالي العلمية والأدبية؛ فرأيتُني أبكِّر بتحريرها ولما أقضِ مآربي الجمة في المشروعات الكتابية التي عقدت النية على كتابتها، ولكن الأحداث التي اعترت الوطن والانعطافة الاجتماعية التي حدثت لي ولغيري من السوريين وفقدان الدار وبعض الأهل والأحبة جعلتني أشرع في كتابة صفحات من الماضي وأنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، والغرض منها سلوان الروح المكتئبة بما أصابني عن طريق استذكار أحداث ووقائع حقيقية مُستلَّة مما تبقى في ذاكرتي عن طفولتي وشبيبتي وكهولتي، وصولاً إلى شيخوختي التي أكابد آلامها النفسية وآثارها الاجتماعية. ما كنت أحسبني سأكتب فصول حياتي الأخيرة وأنا مهاجر مغترب لاجئ بعيد عن وطني وأحبتي؛ ولأن المتألمين لا يستطيعون ترتيب مراحل الألم والحزن فإنني جعلت سيرتي طوع عواطفي وذكرياتي بحلوها ومرِّها، ومايزال القلم ينبض على الورق، وماأزال أكتب فيها لأقدِّم للأتراب والأبناء والحفَدة صفحات هذه السيرة.

سيرتي ليس فيها بطل؛ إذ إنني لم أتجاوز صفة المحاول المجتهد طوال حياتي، وأنَّـى أكون بطلاً في زمن الجهاد بالبندقية وأوان الشهادة في ميادين الذود عن الأنفس والأوطان، في حين أني لم أجاهد إلا بالكلمة فحسب؟ بيد أني قد عقدت العزم على أن أعود فأقوم بتجميع صفحات السيرة بتسلسل زماني حدثًا بعد حدث، مبتعدًا عن صيغة الرواية ومكتفيًا بأن أجعل ظلي الذي رافقني في سني حياتي هو الذي يتحدث نيابة عني، فيقف عند المواقف المؤثرة التي لا تخلو من طرافة أو فائدة أو عبرة.

إن فن السيرة فن لا قيد له إلا الصدق، فهو نوع أدبي متحرر من عبء الشكل الرتيب، وبمُكنة الكاتب أن يكتب سيرته أو سيرة غيره بنمطية مدرسية مثالية كما لو كانت محاضرات جامعية، ويستطيع كذلك أن يختط السيرة على أشكال الفنون الأدبية فيجعلها رواية أو مقامات أو رحلات. كما أن طبيعة المضمون تفرض نفسها على كاتب السيرة من حيث الشكل، ويعجبني هنا ما قاله نجيب كيلاني: «للمضمون أكبر الأثر في اختيار الشكل الفني، بل إن المضمون قد يفرض شكلاً بذاته». ولا ريب في أن تقديم السيرة الذاتية بلبوس الرواية له محبوه وجمهوره، ولكنني لم أرغب في كتابي أن أتعملق وأحذو حذو طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وسهيل إدريس وغيرهم.

ـــ بين أصول عائلتك اليمنية القديمة واستقراركم في غوطة دمشق منذ أربعة قرون، وانتسابكم لعائلة “خَيتي” ومنها المجاهدون والثوار قديمًا، والشهداء في أحداث سوريا الأخيرة.. أرجو أن تقدم لنا قراءة للمشهد العربي بعامة، والسوري بخاصة، وما ترونه من حلول للخروج من هذه الأزمة التي أربكتنا جميعًا؟

ــ في الأساس تربَّيتُ على حب الوطن من جدي المجاهد الكبير الشاعر أبي عمر محمود بكري خيتي، فنمّتْ عائلتي في وجداني الغيرة على الوطن ومتابعة همومه، وملأتُ حياتي بالتماهي مع القضايا الوطنية وعبَّرتُ عنها في أكثر كتاباتي مدافعًا عن الفقراء والمحرومين، وعرَّيتُ في قصصي الظواهر الاجتماعية السلبية. ثم أتاح لي اغترابي الطويل أن أستشرف زمنًا مأساويًا قادمًا، فكنتُ كلما لقيت الوطن بعد غياب لمحت تغيرات اجتماعية تسم الجميع بسمات معينة وعلى المستويات والطبقات المجتمعية والشرائح العمرية كافة. لقد توجَّستُ خوفًا على وطني من المستقبل بعد طغيان النزعة الاستهلاكية واستشراء الفساد وعدم الثقة والميل إلى الدعة وتفضيل الماديات على القيم والأخلاق الموروثة. كنت في شبابي أزور المكتبات لشراء الكتب فأراها مكتظة بروَّادها، وكان الكتاب ينفد بسرعة، وقُلْ مثل ذلك عن المكتبات العامة. كانت دمشق التي أعرفها تضيق بالأعلام والعلماء وحِلَق العلم ومجالس الأدب، فانفضَّ كثير من الخلق طلبًا للقمة العيش التي بات تحصيلها صعبًا كؤودًا.

لقد حدث ما حدث نتيجة غفلة كبيرة عامة، وهي أحيانًا غفلة العامة عن علم الخاصة؛ الغفلة عما يحاك للوطن العربي كله من مؤامرات ومخططات، وكان من الطبيعي أن تكون الضربة الموجعة في سوريا لموقعها الاستراتيجي. من أجل ذلك كتبتُ مقالات عدة في هذا الشأن، كما أعددت مؤخرًا دراسة بعنوان”إرهاصات النكبة السورية المعاصرة” تناولت فيها نقاطًا عدة، وأولاها فساد المناهج التعليمية، وهذه الإرهاصات تكاد تكون مماثلة لما حدث ويحدث في أقطار عربية أخرى.

ـــ كثيرًا ما نعول على النخبة وأهل الفكر وعقلاء الأمة في أزماتها، فهل تعتقد أنهم قاموا بدورهم؟

ـــ إن دور العقلاء أصحاب الرأي والفكر دور ذو خطر وشأن، ولكنه دور ممزق مشتت، فليس ثمة توحيد لجهود الدعاة والمصلحين، ولا هم متفقون على كلمة سواء بينهم، فكيف الحال بعامة الناس؟ هذا التمزق وذاك التخاصم وتلك المماحكة نتائج صنائع الأعداء الذين كادوا لهذه الأمة؛ فعملوا على هدم بنائها الإنساني الموروث حجرًا بعد حجر حتى تصدَّع البناء وانكشف الغطاء وذهبت الأمة أيدي سبا، وأعظم شيء حاولوا قتله فينا هو إيماننا بالله ويقيننا بنصره وثقتنا بأنفسنا وإمكانية أن ننهض من انحدارنا. إن الظالمين والمجرمين لا يأتون من فراغ؛ إنهم نتائج وأسباب في الوقت عينه، ولربما يكون الإنسان عدو نفسه قبل أن يجد العدو الخارجي طريقه إليه.

ــ يتطلع الشعب السوري إلى من يحل أزمته، ويبحث قادته عن الخلاص، فكيف يرى الدكتور خَيتي طريق الخلاص؟

ــ لاريب في أن طريق الخلاص شائكة كأداء، ولابد من صبر أهل الرأي على ما هم عليه والمثابرة على توجيه الضعفاء والأقوياء جميعًا. إن الصراخ وقوة الأبدان والسلاح والاندفاع والحماسة لا تصنع ثورة ولا نهضة ولا إصلاحًا، ولابد من الالتزام بما أمر الله به ومراقبته عز وجل في كل صغيرة وكبيرة، فليس أعظم عند الله من سفك الدماء واستحلال الحرمات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ـــ خاضت مصر وسوريا معًا حرب أكتوبر المجيدة، وبرغم النصر وأهمية الحدث أصاب الفشل الأدب والفن في البلدين عن ملاحقة الحدث بأعمال روائية تضارعه، وأعمال فنية توازيه، لماذا برأيكم؟

ــ سؤال محكم وفي وقته، والجواب عنه ذو شقين: عام يتعلق بالناحية النفسية تاريخيًا؛ وخاص يتعلق بملمح مؤثر في تاريخنا المعاصر.

في الشق الأول أقول إن مواكبة الأدب في ثقافتنا العربية للأيام التاريخية التي تنتهي بالانتصارات والفتوح مواكبة نادرة ما لم تكن في معرض شعر الفخر والمدح، وهذا دأب العرب من قديم زمانهم، فلا يعد تأريخًا ما ورد عن ذي قار وفتح عمورية وانتصارات سيف الدولة وأشباهها. نكاد نفتقد في مراحل تاريخنا كلها تدوينًا أدبيًا ملحميًا توثيقيًا للأفراح والابتهاجات والأعياد على غرار ما يكون في كتب التاريخ، اللهم إلا ما أتى في سياق شعر المناسبات الذي تطويه الصحف ولا تخلده كتب الأدب. على المستوى الشعبي يطرب العرب عادةً لانتصاراتهم، ولكن الأدب العربي قديمه وحديثه، ولاسيما الشعر،كان شديد الاحتفاء بالمآسي ولم يسجل إلا الأحداث المعبرة عن المعاناة، وهذا مردُّه إلى الطبيعة العاطفية التي يحملها الإنسان العربي في صدره، فنداء القلب أقوى من نداء العقل، وأصوات الألم والحماسة والقوة والثأر والبطولة أشد وأبقى وأخلد. لا جدال في أن السعادة لحظة واحدة والحزن ألف لحظة.

ــ والشق الثاني؟

ـــ أما الشق الثاني من جوابي فيذهب إلى أن السياسة في العصر الحديث جعلت الأحداث التاريخية الفارقة تفقد صفاءها، وشابتها بشوائب ليس هذا مجال ذكرها. فيما أعلمه وسمعت عنه أن هناك أعمالاً إبداعيةومنها روايات فاضت بها قرائح بعض الأدباء تؤرخ لحرب أكتوبر وتخلد المآثر والبطولات فيها، ولاسيما عند الكتاب الذين شاركوا بأنفسهم فيها أو عايشوا لحظاتها، ولكن لم تجد أعمالهم طريقها إلى النشر لأسباب سياسية أو شخصية، وما أكثر هؤلاء الذين تتجاوزهم آلة النشر ومكنات الإعلام ولم نعرفهم بعد.

ــ التزم محمود عمر خيتي في شعره شكل القصيدة الخليلية التقليدية، فهل خلت قصائده من أي ملامح للتجديد والتثوير في ضوء الحداثة؟

ـــ كأنك تريد أن تعرِّف القارئ بأعمالي الأدبية المتنوعة فطرحتَ سؤالك بنفي الحال لا إثباته؛ لتتيح لي فرصة الكلام.

الحقيقة عكس ذلك، فبفضل الله فتحتُ عقلي وقلبي لكل حداثة، بل وسعيت لها، وعملت ما استطعت على التجديد في الشكل الشعري وفي مضامينه أحيانًا، ولكنه تجديد رشيد غير مندفع ولا عابث إن شاء الله. من حيث الشكل كتبت جمًا من قصائد التفعيلة التي أحببتها وخضت تجربتها مرارًا. كيف لا أجدد في الشكل وقد كتبت الشعر بفنونه كلها من الرجز إلى الشعر الشعبي إلى الموشحات إلى الأناشيد والأهازيج إلى الحواريات والمسرحية الشعرية؟ جربت نفسي في القوالب الشعرية كلها، وزاوجت بين القديم والجديد في قالب واحد أيضًا.

أما تجديدي في المضمون فقد تجلى في الفئات المستهدفة من القصيدة؛ إذ لم أترفع قط عن الكتابة عن حالات التعوق العقلي والحركي فكتبت عن متلازمة التوحد، وخضت في النصائح الطبية والاعتدال في استخدام العقاقير، ووصفت وذكرت العلاج لكل من الصداع والاكتئاب ووهن العظام والضعف العام وغيرها.

كل ما سلف في الحديث عن أعمالي الشعرية، أما في الأنواع الأدبية الأخرى فعالم أوسع وأرحب.

ــ هل وقف علم العروض بزحافاته وعلله عائقًا أمام من وجدوا ضالتهم في “النثيرة” أي قصيدة النثر، وشعر التفعيلة والهايكو والومضة وخلافه؟ وأين يكمن العائق من وجهة نظركم؟

ــ هذا يردُّنا إلى السؤال السابق. إذا كنتُ واحدًا من الجيل المخضرم بين نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، فأظنني أستطيع أن أعطي رأيي في هذا الموضوع؛ من حيث إن تجربتي الشعرية قد استوت على سوقها (أو نفترض ذلك) واتضحت معالمها، ومن ثم أستطيع أن أضرب بها مثالاً على ادعاء معين. أضف إلى ذلك معاصرتي ومزاملتي لجيلنا الذي كان فيه الوسطيون، وفيه حشد من الذاهبين يمينًا أو يسارًا.

في جيلنا شعراء تشبثوا بالقصيدة العمودية وأوزان الخليل وعضُّوا عليها بالنواجذ، وكان بعضهم – على الأقل – يُستثارون إزاء محاولات التجديد الموسيقية المتعثرة، ويُصدرون آراء وتعليقات، ويسوقون أدلة على بطلان محاولات الحداثيين. وهم في ذلك بين قبول عند مؤيديهم ورفض عند الآخرين. وفي الطرف الأقصى هناك الحداثيون بأطيافهم بين متشدد ومعتدل، ولهم نقادهم الذين يشجعونهم ومجالات النشر المتعددة التي يطلون منها.

وعندي أن الشاعر (حسب التعريف الطفولي البريء والتعريف التلقائي العفوي) هو ذلك الإنسان الذي يكتب القصائد! نعم بهذه “السذاجة” إن شئتَ، إذ لا يكون الشاعر شاعرًا من دون أن يعرض بضاعته وهي القصيدة، بلا قصيدة ربما يكون كاتبًا كبيرًا محترمًا، فالشعر غير النثر، والشاعر غير الناثر. وهذه من البداهة بمكان. ومن الثابت كذلك أن القصيدة تقف على قدمَينِ، وأنها بقدم واحدة تسقط وتسقط عنها صفة القصيدة؛ تقف القصيدة على قدمَي الموسيقى والخيال، فإذا نفينا الموسيقى فذلكم النثر، وإذا نفينا الخيال فهو النظم. ولا مشاحَّة في أن القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وحدَهما هما اللتانِ تنبضانِ بالموسيقى والخيال كليهما وهما الشعر. أما ما أسميتَه “النثيرة” واسمه عندي “خاطرة أدبية” وعند أهله “قصيدة نثر” فإنما هو نثر أدبي (منه الرفيع ومنه دون ذلك) مزدحم بالصور والأخيلة إلى حدِّ الكِظَّة، وليس فيه من الموسيقى إلا موسيقى اللفظ العربي. أما سائر ما ذكرتم فهي أنواع نثرية محدثة لا خلاف عليها، حتى لو أضافوا كلمة “شعر” في أسمائها.

ـ خرج علينا جمهرة من الشعراء ببدعة اختراع بحور جديدة بدعوى أن الخليل لم يتطرق إليها، فيما يرى بعض العروضيين أن بحورهم مأخوذة عن صور من بحور الخليل ليس إلا، نلتمس منكم الرأي القاطع في هذه المسألة؟

ــ لا أدَّعي القطعيَّة في رأيي، إنما أنا عبد يجتهد فيصيب ويخطئ، وخطؤه أكثر من صوابه. الفكرة هنا طرف من أطراف الموضوع المطروق في جوابي السابق. وأعود إلى القول بإيماني العميق بالانفتاح والمحاولة، والمحاولة تعني الإخفاق ألف مرة في سبيل نجاح مأمول قد يتحقق وقد لا يتحقق. يقول أستاذنا عمر أبوريشة:

شرفُ الوثبة أن تُرضي العُلا غلبَ الواثبُ أم لم يغلبِ

أوزان الشعر في تعريفي: “موسيقى موروثة خاصة بالشعر ومصحوبة بالكلمة”. أما العروض فأعرِّفه بأنه “علمٌ يؤصِّل ويضبط فنَّ موسيقى الشعر الموروثة”. وهكذا فإن العروض علم نابع من فن. أما التجديد في العروض فقضية دقيقة وحساسة، تحتاج مناقشتها إلى عقلانية وروية وتحديد هدف. من حيث المبدأ، ثمة استخدام خاطئ لمصطلح “تجديد” في ثقافتنا المعاصرة، نحن نُقنع أنفسنا بأن التجديد خير كله وأنه إنقاذ من حالة الانهزام والتخلف والجمود، وهذا مصدره العقدة النفسانية المستكنّة المزمنة؛ عقدة الغرب المتحضر التي تخنق أرواحنا بالبحث الفوضوي عن أي “تغيير” يقرِّبنا من الغرب شبرًا ويُبعدنا عن تخلفنا بأي شكل وثمن. وما نحن عليه من محاولة الانقلاب على الذات وزعزعة للثوابت الركينة لهو برهان كبير على الانهزامية السوداء التي تتشح بها نفوس بعضنا على الأقل. والآن هل تعدُّ إضافة بحر جديد على بحور الشعر (محض إضافة) تجديدًا؟ بالطبع لا، لماذا؟ لأن المشكلة ليست في بحور الشعر أصلاً، المشكلة كامنة في أذواقنا التي تراجعت بدل أن تتقدم مع مر العصور، فالأوزان هي “مسطورة”(نوتة) موسيقية اكتشفها الخليل وقيَّدها ولم يخترعها، هي في عمق الذوق العربي الصافي قبل الخليل بقرون كثيرة، وُجدت عندما وُجدت اللغة العربية نفسها، فالكلمات لها إيقاعات، وبيت الشعر كلمات مُوقَّعة متتالية بحيثتنتج إيقاعًا مركبًا لا نشاز فيه. ولاشك عندي في أن العربي القديم في بيئته الصافية وصدره المنشرح جرَّب كل التركيبات الممكنة فنفى ما يجرح الأذن والذوق (النشاز في الموسيقى) وتشبث بالسلس المنساق مع الذوق الرهيف الذي كان يتمتع به. ثم مع مر الدهور وتداخل الأعراق وازدحام الأرض العربية بالناس والقوميات والرطانات فسد الذوق العام وصار للغة قواعد تضبطها نحوًا وبلاغة وموسيقى، وأمسينا بحاجة إلى صقل الفساد بالتعلم، وصار وزن الشعر بالترنم والتعلم، وكان من قبل بالترنم فحسب، كان العرب يترنمون بستة عشر إيقاعًا أسماها الخليل والأخفش بحورًا وأمسينا نترنم بثمانية منها على الأغلب، واليوم يتحرك شعراء التفعيلة بدائرة أربعة أبحر.

عجيب أمرنا؛ فقد أغفلنا أن التمام هو الذي قد كان وليس ما يجب أن يكون، ونحن ننحدر إلى النقص، وننتقل من كثير إلى قليل، من بحور الشعر كلها إلى القليل المستعمل منها، ثم إلى الانعتاق من البحور بالكلية في الخاطرة الأدبية النثرية التي أسموها تجاوزًا قصيدة نثر وشعر الهايكو…الخ. في الوقت نفسه تحاول النفوس المنهزمة الاستقواء على الجمال الموسيقي الأصيل في الشعر العربي بإضافة أوزان أخرى ربما هي مجافية للذوق، ناسين أن أهل الأندلس سبقونا إلى ذلك فتصرفوا في بعض البحور لتتناسب وقوالبهم الشعرية الجديدة كالموشحات والزجل.واليوم يحاول المجددون التصرف أيضًا ليس عن طريق اكتشاف وزن شعري قديم لم يتنبه له الخليل، بل عن طريق التلاعب بترتيب التفاعيل في البحور ذات التفاعيل المزدوجة كالطويل والبسيط وتسميتها “البحور المعكوسة”.

ومع هذا كله لم يغلق العروضيون الباب في أي عصر من العصور، فلا بأس بالمحاولة المشروطة بشرط ألا يكون الوزن المخترع نابيًا مفسدًا للذوق، ومن جهتي أضيف شرط الهدف وهو أن نسأل أنفسنا لماذا التجديد؟ ولماذا الإضافة؟ ولماذا الانعتاق من الوزن وتقليد أذواق الأوربيين تارة (قصيدة النثر) وأذواق اليابانيين تارة أخرى (شعر الهايكو)؟ لماذا ننقلب على الجميل المكتمل القديم في موسيقى الشعر ونتعثر بالتقليد والمحاولة بروح المنهزم ونحن أغنياء أقوياء في هذا الجانب تحديدًا؟

ــ توصيف رائع لواقع، فما رأيكم في البرامج التي تروج لفكرة “أمير الشعراء”.. هل ساهمت هذه النوعية من البرامج في جذب اهتمام الشباب بالشعر؟ وهل أفرزت أيضًا نماذج واعدة ترضون عنها؟

ــ لا أتابع هذه البرامج ولكن سمعت بها، وهذا لا يكفي لأحكم عليها. من حيث المبدأ فإن فكرة التشجيع فكرة نزيهة لا غبار عليها. ولكن لي تحفظات، فنحن في زمن نعيش فيه ولا نحياه، وأقصد الظروف التي تتحدى كل فن جميل وأدب راقٍ وتسوقهما في سياقات ليست من صميم الجمال والرقي ولا تهدف إليهما. والسؤال المهم في كل عمل إعلامي أيكون في هذه البرامج هذه المحاذير أم لا تكون؟ نعم إنها تحيي مكانة الشعر وتشجع الشباب إنْ صفا جوهرها ونبلت مقاصدها، أما إذا كانت للربح المادي عبر الإعلانات التجاريةالتافهة وصخب التصويت عبر الهاتف من قبل أصدقاء المصوَّت له، ومجاملة هذا أو ذاك، فضررها حينئذ أكثر من نفعها.

ــ وماذا عن لقب “أمير الشعراء” هل يناسب زماننا؟

ـــ ليس هذا هو زمن الشعر الحقيقي على كل حال وليس هذا زمن “الألقاب الافتراضية”، أعترض على صيغة اللقب “أمير الشعراء”، وليس على فكرة الإحياء والتشجيع. إن اعتراضي على خلع عباءة الإمارة على شاعر ما (أيًّا كان)مرتبط بواقع البيئة الثقافية والحضارية بعامة، فعندما بايع الشعراء أحمد شوقي أميرًا للشعراء قصدوا نوعًا من التكريم وليس حبسًا للقب في شخص شوقي، وهذا ما يفعله أي عربي عادةً، فعندما تريد تكريم ضيفك مثلاً تفسح له صدارة بيتك، وعندما تكرم التلميذ تعطيه جائزة. أما ما فهمه بعض المتشاعرين في زماننا فهو أن الأمير أشعر الشعراء قصرًا وحصرًا، وهذا غير صحيح؛ لأن الشعر فعل إنساني وجداني جمالي تذوقي لا تُجمع الأمة فيه على واحد، ولكن يمكن لها أن تُجمع على تقديم هذا الواحد مع مَن هم في طبقته وتقوم بتكريمه بالأوسمة والجوائز.

أين نحن اليوم إذن من العقلية الناقدة الواعية عند القدماء عندما صنفوا الشعراء طبقات لا أفرادًا؟ كان الشاعر ابنَ طبقة معينة منسوب إليها، كان عندهم شعراء المعلقات وليس امرأ القيس أو زهير بن أبي سلمى، وكان عندهم طبقات فحول الشعراء وليس فحلاً بعينه، ومات البحتري وأبو تمام والمتنبي ولم يحظوا بالأفضلية المطلقة. كانوا أكثر منا ذكاء ووعيًا واستيعابًا للشعر واحترامًا للشاعر، وها نحن اليوم نعود إلى “وثنية” تقديم الفرد وتقديسه ورسم “أيقونة” جاهزة له فنلقي على رأسه تاج قيصر أو كسرى.

ــ بوصفكم واحدًا من المتخصصين في اللغة العربية، وكنتم وضعتم كراسًا في الخط العربي بالمشاركة مع آخر، لماذا لم تضع كتابًا أو منهجًا في تيسير النحو أو العروض؟

ـــ بوضوح وجلاء لأنني أخطو خطوات عمري على طريقين: طريق العلم وطريق العمل، وقد طغى الثاني على الأول فاستهلك عملي جل وقتي، وأمضيت مساحات الزمن في اقتناص لحظات أكتب فيها ما أريد (وهذه هي الأعمال الإبداعية) وأكتب ما ينبغي أن يُكتَب (وهذه هي الأعمال العلمية البحثية). وأسميها لحظات لأن المعلم المربي يصرف كل جهده لصالح طلبة العلم فلا يكاد يفطن لنفسه، وقد وضعت كراسة الخط التي ذكرتم مع زميل لي للحاجة التعليمية وقامت الإدارة بتصويرها وتوزيعها، ولا أدري بعدها إلى أيِّ رفٍّ مكتبي أُرسلتْ. كما وضعت مذكرات أخرى عدة في اللغة والأدب للغاية التعليمية نفسها، ولم تتسنَّ لي الظروف لتحويلها إلى منشورات عامة، وهي كغيرها مشروعات أعمال مستقبلية أسأل الله أن ييسر لي الوقت والعمر لتحقيقها.

ـــ ما الذي دفع الشاعر محمود عمر خيتي إلى كتابة القصة والرواية والمسرحية؟ ألا يشكل هذا دلالة على أن الشعر صار عاجزًا عن حمل موهبتكم الفكرية أم لأن الرواية صارت ديوان العرب مع تراجع دور الشعر إلى ذيل اهتمامات القارئ العربي؟ ومن برأيكم المسئول عن هذا التراجع، الشعر أم الشعراء؟

ــ سؤالكم خاصّ أولاً وعامّ ثانيًا.

ــ فلنبدأ بالخاص؟

ـــ أما عن نفسي الأمارة بالسوء فقد أولعتُ بالقراءة في طفولتي ومازال هذا دأبي، ومن يقرأ كثيرًا يكتب ولو قليلاً، ولأن النثر عندي هو الأخ الأكبر للشعر فقد شرعتُ في الكتابة فيهما ابتداءً وحاولت تثقيف تجربتي فيهما، وبكليهما بدأت. ولكنني أعود دائمًا إلى الحلقة المفقودة وهي النشر، فقد تيسّر لي نشر الشعر في مناسبات أكثر لأنه أشد تكثيفًا وإيجازًا، ونشره أيسر ورقيًا وحاسوبيًا. وتبقى كل أعمالي الطوال بانتظار البيئة الناشرة المناسبة.

ــ وبالنسبة للعام؟

ـــ على الساحة الأدبية العامة لا أرى أن عصرنا هو العصر الأفضل لأي فن مهذب أو أدب راق، هذا هو عصر المادة للأغنياء ورغيف الخبز للفقراء، ومايزال الفن والأدب في بلداننا يتلجلجان في البحث عن موطئ قدم راسخ وفي البحث عن المتلقي. لا أرى للرواية الصدارة ولا هي أخذت موقع الشعر عند العرب إذا كان القراءُ قراءُ الأدب غيرَ كثير. أحسب أنك ستوافقني ويوافقني القراء المثقفون أيضًا إذا أعلنت على الملأ الحقيقة الصادمة التي نخشى دائمًا البوح بها؛ وهي أننا نكتب لأنفسنا، وفي أحسن الأحوال ننشد قصائدنا ليسمعنا زملاؤنا الشعراء وبقية محبي الشعر ومتذوقيه، نحن ننشر في المجلات والكتب ليقرأ أحدنا للآخر. بصراحة مؤلمة نحن نعاني فجوةً بين عدد الأدباء وعدد القراء، بين المصانع المنتجة والأيدي المستهلكة بلغة السوق (إن جاز التشبيه).

ـــ لكن ألا يرى أديبنا الكبير أن الرواية تسيدت وطغت حتى سلبت الشعر مكانته؟

ـــ من يذهب إلى أن الرواية العربية احتلت مكانة الشعر ينظر فقط إلى عدد الشعراء والروائيين فيرى ثقلاً في “الكفَّة الروائية” من جهة، ويرى جائزة كبيرة للرواية اسمها “جائزة البوكر” ولا يرى للشعر جائزة تضارعها من جهة ثانية، ثم ينظر فيرى ببساطة كيف صار بعض الشعراء يكتبون الرواية على حين لا ينتقل الروائيون إلى الشعر من جهة ثالثة، وهذا تبسيط للأمر يُغفل الصورة الشمولية للحاضر الأدبي. أولاً زاد عدد من يكتبون الرواية (لاحظ لم أقل عدد الروائيين) لأن الشعر صعب مركبه؛ فيجرِّب كلُّ ذي قلم حظه بكتابة نص هو يسميه رواية وهو في الحقيقة حكاية مكتوبة بلغة هزيلة جاءت من قبل شخص لا يتقن النحو والإملاء ولم يقرأ من قبل إلا للتسلية، فيظن خطأً أن الرواية فن سهل وأنها عملُ مَن لا عملَ له. ثانيًا يكتب بعض الشعراء الرواية بسبب القراء أنفسهم، فالذين يهتمون بالشعر ويسمعونه ويقرؤونه طبقة مثقفة حتمًا (أو هكذا ينبغي أن تكون)، على حين يمكن لأي فرد يفكُّ الخط أن ينتصر على أميته ويتسلى قليلاً ويقرأ صفحة من رواية فإذا به يندمج في الأحداث فيتابع قراءته، وأكثر قراء الروايات يتسلون بها في الرحلات الطويلة أو على أسرَّة المرض، أو يجعلونها مسلسلاً تلفزيونيًا مقروءًا في عصر أكلت فيه السينما والتلفزة عقول بعض الناس وأعادت برمجة هواياتهم، فلا تستغرب أن كثيرين قد قرؤوا رواية بعد أن شاهدوا الفيلم أو المسلسل المقتبسَينِ من الرواية نفسها (روايات مصرية مشهورة غالبًا في بلد كانت صناعة الدراما فيه أقوى من أي صناعة أخرى). ومع جمهور كهذا يتنازل شاعر أو شاعرانِ أو عشرات منهم عن وعثاء نشر الشعر وإعراض دور النشر عن نشر الدواوين الحديثة، وينصرفون إلى كتابة الرواية بناءً على نصيحة الناشر وطلب الجمهور. قبل عشرين عامًا (وليس اليوم) قال لي ناشر كبير في دمشق وبيروت: “كنا نطبع لنزار قباني في السنة عدة طبعات بآلاف النسخ.. (ضحك متحسرًا ثم أردف).. والآن ماتزال عندي نسخ كثيرة من طبعة العام قبل الماضي، هل تشتريها مني بسعر مخفض؟”.

ــــ وإذا طلبتم من سيادتكم تلخيصًا لهذا الفوران الثقافي أو من يصفه بالنهضة تجاوزًا؟

ـــ الخلاصة هي أن هناك نهضة خادعة في وفرة دور النشر ومراكز بيع الكتب ومعارض الكتاب، ووفرة بالروايات العربية والمترجمة (أكثرها بوليسي أو عشق وغرام) في مكتبات البيع وعلى الأرصفة وعلى منصات التحميل المجاني بصيغة PDFبإذن صاحبها أو من غير إذنه، ولكننا برغم هذا كله أزعم أننا لا نعيش نهضة حقيقية في فن أدبي راق اسمه أدب الرواية. قلت لأصدقائي مرة في مساء خريفي:”إذا أردتَ أن تطمئنَّ إلى حال الأدب في بلد ما فانظرْ إلى أغلفة الكتب” (ولا يخفى عليك منظر أغلفة الروايات الأكثر رواجًا في العواصم العربية؛ تلك الأغلفة التي عليها– مثلاً -لوحة رسمها رسام محترف تظهر فيها امرأة وأمامها رجل مقطب الحاجبين يحمل مسدسًا فوق بركة دم حمراء وجسد ملقى دامٍ). ولا ننسى أبدًا أن الفضل في المبيعات يعود إلى فئتين: فئة المراهقين الذين يشترون “غراميات” الأشعار والقصص والروايات من مصروف جيبهم وهم يحملون اللفافات وقناني الشراب، وفئة الأثرياء الذين يقتنون الكتب لتزيين جدران غرف الاستقبال!

ــــ إذا أردنا أن نشخصن تلك الأزمة بتحديد المتسبب فيها أو المسئول عنها؟

ــــ المسئول هو نجاح عدونا في الكيد لنا وإخفاقنا في صدِّ عدوانه، نجح في إلهائنا عن القراءة، ونجح في تحويل إنساننا العربي القادر على التفاعل والتعلم والبناء وإحياء حضارة مندثرة إلى إنسان كادح مكدود مقهور، والمقهور في هذه الحياة الدنيا يبحث عن الهواء والماء والغذاء قبل كل شيء. وتقول ما الحل؟ الحل لا مناص في انتشال قوينا لضعيفنا وتشجيع أصحاب رؤوس المال الطيبين الكرماء للناس على القراءة كما نشجع على الرياضة، بدءًا بالأطفال وتوجيههم إلى الكتاب وحسن اختيار الكتاب أيضًا. لماذا لا تكون عندنا نوادٍ للقراءة الموجهة للكبار والصغار، وجوائز للمؤلفين الناشئين كجوائز المطربين الناشئين؟

ــ أين يضع الشاعر محمود عمر خيتي نفسه على خريطة الشعر العربي بعامة والسوري بخاصة، من حيث الشهرة والمكانة؟

ـــ أفضِّل أن يجيب الآخرون عن سؤالكم؛ لأنني لا أنظر في المرآة إلا محاسبًا ذاتي على تقصيري؛ فأنا مفتئت على نفسي منحاز إلى الإنسان الأكثر مني حرمانًا. على أنني إذا نظرت بعيون الناس أجدني في الغرفة التي فقدت مصباحها وأضاعت خريطة الشعر العربي وبوصلته أيضًا، وربما أكون في النافذة المطلة على الشارع الرئيس في نظر المهتمين والمتابعين. وهنا لابد من استكمال الصورة العريضة لإضاءة الجواب المطلوب فأشير إلى أن مرحلة الثمانينيات كانت جيدة طيبة بالنسبة إلي؛ إذ كنت حينئذ قد استكملت أدواتي وعمّقت تجربتي وفتحت أشرعتي للهواء، وأخذت أنشد قصائدي بين الجمهور وأشارك في المسابقات، فاكتسبت أصدقاء وأحبة. ولكن الحال اختلفتْ في بلاد الغربة التي تقوقعتُ فيها وانغلقت على ذاتي جزئيًا، ومرَّ على تلك الحال عقدانِ من حياتي. وعند بلوغي الستين وتفرغي للكتابة وجدت ضالتي في مواقع التواصل الاجتماعي، ورأيتني من حيث لا أشعر في خضم المنتديات الأدبية، والحق أني أحجمت عن هذه المنتديات ابتداءً إحجام المرتاب عن مخالطة الغرباء؛ لأن أكثر روَّاد هذه المنتديات من جيل الشباب، ولكن سرعان ما تفاعلتُ مع الشباب عندما رحبوا بي وفتحوا لي آفاق منتدياتهم، وأكرموني إذ جعلوني في موضع الصدارة (لكبر سني طبعًا). وهنا أسجِّلُ شهادة للتاريخ بامتناني للأستاذ الشاعر محمد البياسي، فقد أفاض علي من فيوض تقديره ما لم أجده من قبل، وأهداني عضوية الشرف في “رابطة شعراء العرب”، ونشر لي ديواني “الشام في عيني” على نفقته، وكلفني برئاسة لجنة تحكيم المسابقات الشعرية في موسم خلا. وكذلك حذا نخبة من أصدقاء الشعر والأدب حذوه فأعطوني فوق ما أستحق من اهتمام وتبجيل يضيق الحوار عن عدِّهم والتنويه بأفضالهم.

ــ ومع ما تقدم، ألا تلاحظون معي أنكم على كثرة ما أبدعتم منذ سنوات لم تحظَ مؤلفاتكم بالنقد داخل أسوار الجامعة أو خارجها؟ بماذا تفسرون هذا؟

ـــ هذه ظاهرة عامة لا تخصُّني وحدي. وتفسير هذه الظاهرة بذكر مآلاتنا التي وصلنا إليها من الانصراف عن الأدب إلى غيره، وفي جملة المآلات انحسار النقد عن الساحة الأدبية عمومًا، فمن الطبيعي أنه إذا أصاب الوهن الأمة فإنه يصيبها في كل ملامح حضارتها ومفاصل حركتها، وما انكفاء حركة النقد إلا ترجمان عن ضعف الحركة الأدبية نفسها. النقاد اليوم قليل عديدهم، وعلى قلتهم يوجهون اهتمامهم إلى مناقشة الظواهر الأدبية وليس إلى صُنَّاع الأدب، وأكثر نقادنا أساتذة في الجامعات يؤلفون في الموضوعات التي يدرِّسونها. ولأننا أمة تعشق الماضي فإن رسائل الماجستير والدكتوراه تتجه إلى دراسة امرئ القيس وأبي تمام والمتنبي وابن زيدون والمعري وصولاً إلى عصر شوقي وحافظ وشعراء المهجر، وقليلاً ما يقتحم الطالب مجال نقد الأدب المعاصر جدًا. علينا أن ننتظر لنمسي قدامى.

ــ في سؤال متصل بسابقه، على الرغم مما يملكه الأديب محمود عمر من كفاءة في عدة علوم وفنون فهو يحجم عن خوض العملية النقدية في الأجناس الأدبية التي يدرسها ويمارسها.لماذا ليس لدينا نظرية نقدية عربية؟ وهل نحن متخلفون عن الغرب كثيرًا في مضمار النقد؟

ـــ هذا عين ما أشرتُ إليه قبلاً، إنه التركيز على الكتابة فيما يلزم المادة الدراسية. إن طلابنا هم مؤلفاتنا الحية، وحسب المعلم هذا ذكرًا وخلودًا، طلابنا هم كلماتنا الطيبات الباقيات. ما ذكرتموه عن النقد صحيح؛ وسأعيد بناء الإجابة بصيغة اعتراف مُرّ: نحن نفتقر إلى نظرية نقدية عربية لأننا حتى الآن نعتمد على الجهود الفردية؛ أي إنها جهود غير مرعية من قبل المؤسسات العلمية والبحثية، والأدهى أنه لا تنفق الدول العربية إلا ثلاثة أعشار من الألف (في أحسن الأحوال) على البحث العلمي برمته؛ في كل مجالات البحث من الأدب والنقد واللغة والفلسفة والتاريخ والفنون الجميلة إلى العلوم التطبيقية والعلوم البحتة والفلك والطب والصيدلة والهندسة والزراعة والصناعة، فلا غرابة في تخلفنا عن الغرب كثيرًا في مضمار النقد، على الرغم من كل ما صدر من دراسات أكاديمية وكتب ومقالات تخصصية.

ـــ ننتقل إلى فن آخر، في النسخة التي اطلعت عليها من كتاب:”الأحكام المرضية من الشمائل المحمدية” للشيخ محمد لطفي الفيومي، كتبتم على صفحة الغلاف طبعة جديدة قام بإعادة إخراجها وضبطها والتدقيق فيها شخصكم الكريم، فلماذا أضفتم كلمة “تحقيق” والكتاب ليس فيه ما يدل على ذلك؟

ـــ لم أذكر كلمة “تحقيق” إلا في نبذة تعريفية موجزة من باب اختصار الكلمات. حتى تتضح الصورة للقارئ أبيِّن أن “الشمائل المحمدية” كتيب لطيف صغير، وقد طبعتُ على غلاف طبعتَيهِ الأولى والثانية فوق اسمي عبارة”عُنيب إعادة إخراجها وضبطها والتدقيق فيها” فقط، وأشرت إلى أنه وقفٌ يوزع بالمجان. يقع هذا الكتيب في سبعين صفحة من القطع المتوسط،وكان كتبه الشيخ محمد لطفي الفيومي بخط يده في مناسبات متباعدة على ما بدا لي، ومعلوم أن موضوع “الشمائل المحمدية” موضوع كتب فيه الأقدمون والمحدثون، ولكن للشيخ الفيومي بصمته وحضوره الخاص.وقد أراد الشيخ الفيومي أن يحتفظ مريدوه – وهم كثر – بتعقيباته وشروحه للأحاديث المذكورة التي كان يدرِّسها في مجلسه ويلقيها في خطب الجمعة، فدوَّنها في أوراق عنده تباعًا، ولما أتمها أضاف إليها مقدمة صغيرة وأوقفها لله تعالى وأوصى بوقفها لمن سيتداولها من بعده، وطُبعت على حالتها الخامية ولم يتولَّ أحد مهمة المراجعة، وكان في تلك الطبعة القديمة كثير من الأخطاء الطباعية وبعض تصحيفات من الأصل حتى في نص الحديث، أضف إلى ذلك تكسُّر الحروف وانطماسها بسبب وسائل الطباعة القديمة شبه اليدوية.

عندما وصلني الكتيب وجدته عظيم النفع خفيف الظل فرغبت في إخراجه للناس على الصورة التي يستحقها. وحينئذ كان الشيخ الفيومي صار إلى رحمة الله ولا سبيل إلى سؤاله، فكان لزامًا عليَّ أن أجتهد فأعيد كتابة الكتيب وتنسيقه ثم تنضيده حاسوبيًا على يد مُنضِّد ماهر، وقمت بإعادة ترتيبه بحيث يكون تعقيب الشيخ بعد متن الحديث مباشرة وليس في الهامش الموزع على صفحات، وتعيَّن علي أن أعمل على مراجعة المادة حرفًا حرفًا وتوثيقها ما استطعت، (وإن لم أضف التوثيق في الحاشية) فصار الكتيب بتنسيق جديد وحلة جديدة لا تشبه الأصل كثيرًا، وصار من الممكن للقارئ أن يفيد منه كل الفائدة. ثم إني طبَعتُه ورقيًا ووزعتُه بالمجان مطلع هذا القرن، حتى إذا لقي قبولاً ونفدت النسخ أعدتُ فيه النظر وحسَّنت فيه وأخرجته بنسخة إلكترونية جديدة مجانية هذا العام.

ــ وأنا هنا أرى أن صفة التحقيق أليق أن تضاف إلى غلاف الكتاب بعد ما ذكرتم.. دعنا نيمم وجهينا شطر بلاد البسفور، ألم يكن وجودكم في تركيا مناسبة لضخ إبداع جديد يمثل تلك المرحلة، أو يشهد دراسات أكاديمية، أو تواصلاً مع رموز الأدب التركي أو تأريخًا حولها؟

ــ نعم بالنسبة للأعمال الإبداعية، فقد تسنى لي بنعمة الفراغ “ما بعد الستيني” أن أكتب عديدًا من النصوص الشعرية والنثرية نشرت طائفة منها على المنتديات ومنصات التواصل الاجتماعي، وحجبت طائفة أخرى عن النشر لأسباب خاصة، ولا يخفى أن أحداث الوطن وحالة الحنين المتفاقمة تؤجج المشاعر وتحرك الأديب كثيرًا.

يحضرني هنا أمر على غاية من الأهمية؛ هو ما يكون عليه أسلوب الكاتب بعد أن تتقدم به السنُّ، فقد نُشِرَ من وقت قريب كتاب للمفكر الكبير إدوارد سعيد بعنوان: “عن الأسلوب المتأخر: موسيقى وأدب عكس التيار”، وفهمت مما جاء في إعلان الناشر (وعلى ذمة الناشر) أن الكتاب يناقش باستفاضة قضية التغير والتطور الحاصلين في أسلوب الكاتب مع تقدمه في السن، ولذلك وصفه بالأسلوب المتأخر. ومع أنني لم أقرأ الكتاب بعد فقد لفتني إلى هذه القضية المهمة التي أعيشها اليوم. ليس الفراغ والحنين وحدهما مؤثريَنِ فيما أكتب في هذه المرحلة، بل الرؤية الأعمق للتجارب الإنسانية والقراءة الأوعى للمشهد العام، وهذا ما عبَّر عنه بعض أصدقائي الأدباء حين قالوا إنني أتدثَّر بالحكمة الشعرية، وأطرح المعاني بهدوء ملحوظ. لا أدري على التحقيق إن كانت إقامتي في إسطنبول قد تركت آثارها فيما أكتب. ربما أثَّرتْ بالفعل، لأن إقامتي في مصر المحروسة لم تزد على ثلاثة عشر شهرًا وتركتْ أثرًا فيما كتبت غير خافٍ على أحد، ومن المشهود أن العرب يعيدون اكتشاف قدراتهم في أسفارهم.أستطيع القول إن هيامي بالأدب التركي قديم؛ فقد سبق لي أن استغرقت منذ ربع قرن في أدب “عزيز نيسين” و”يشار كمال” و”خلدون تانر” وتأثرت بهم، وهاأنذا أقرأ للشاعر الكبير “نجيب فاضل قيصا كورك” وأطرب لحكمته كثيرًا، وأقرأ للروائية “إليف شافاق” وأتعرف على الأدب التركي المعاصر.

أما الدراسات والبحوث فلا أزعم ذلك، إذ اكتفيت بكتابة مقالات اجتماعية ولغوية وأدبية نشرت بعضها أو مقاطع منها فقط. ولا شك في أن أول شروط البحث العلمي توثيق المادة من مراجعها ومظانِّها؛ وهذا ما يعوزني لظروفي الصحية والاجتماعية، وللسبب نفسه لم ألتقِ الأدباء الترك حتى الآن. لندع الأيام تجيب.

ــ نعود بك إلى الشام، من المؤكد أنكم خالطتم والتقيتم كثرة من علماء الشام الأفذاذ ولكم معهم ذكريات ومداخلات، فلم لم نشهد لكم مقالات في هذا الشأن مما سيثري المكتبة العربية ولا شك؟

ـــ هي متحصلة وحاضرة بقوة في كتابي “قال لي الظل” الذي سلف الحديث عنه، وهذا سبب آخر يستحثني على ضرورة إنجاز الكتاب وإخراجه للناس. لا أريد أن أحرق مفاجأة الكتاب قبل صدوره، وأكتفي بالقول إنني أسهبت في تناول ذكريات عن أستاذي الأكبر فضيلة الإمام المفتي الشيخ “أحمد صالح الشامي” الذي قرأت عليه كتاب “دليل الطالب” في الفقه الحنبلي وتعلمت منه مبادئ علم الفرائض وعلم التوحيد، وتحدثت عن مشايخي الذين قرأت عليهم بعض سور من القرآن الكريم كالشيخ المقرئ “أحمد عبدالمجيد” والشيخ المقرئ “أحمد الدرة”.

ــ بوصفكم حاصلاً على دبلوم في التأهيل التربوي وأبًا لولدين وبنات نشأوا بين أبوين مثقفين، أطالبكم بأن تقدم للأسرة العربية أهم الملامح التربوية التي التزمتها في تربيتكم، بماذا تنصح وعمَّ تنهى؟

ـــ هذا سؤال عن الحياة كلها ويحتاج جوابه إلى مجلدات؛ سأختصر وأقول إنني أمضيت في سلك التعليم بمراحله جميعها ربع قرن من الزمن كنت خلالها أجتهد في أن أكون القدوة قبل أن أكون الناصح الواعظ، وآمنت بالرفق في التربية والتأديب والتهذيب والتوجيه؛ عملاً وتصديقًا لسنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «ما كان الرِّفْقُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا نُزِعَ من شيءٍ إلا شانَه»، ومن أجل هذا الاقتناع دخلتُ بمناقشات مطولة مع زملاء في حقل التعليم، فاتفقنا قليلاً واختلفنا كثيرًا، وذهبتُ مذهبًا لم يعجب أحدًا عندما صرَّحتُ بأن “العصا” هي سبب تخلفنا وليس عدم استعمال العصا هو سبب تردي اهتمام الجيل بالعلم كما هم يدَّعون ويُعيدون ويُبدِئون!

الحمد لله فقد أثلج صدري وأسعد قلبي بعد أن أثمرت منهجية الرفق والعمل بالقدوة ثمارًا طيبة، فخرَّجت عشرات الآلاف من الطلبة الذين كان منهم عدد غير يسير قد فاقوني علمًا ومنزلة. وبهذا النهج التزمت في تربية ابنَيَّ وبناتي وأحفادي وذوي أصدقائي أحيانًا.

ـــ تعلم أنني أتابعك منذ سنوات، وكان الشعر موعدنا، ثم بان لي علمك بالخط والرسم ثم القراءات، ثم عرفت مكانتكم العلمية، وخلال هذه السنوات كان يخامرني إحساس ومايزال بأن طاقتكم الفكرية أكبر من طاقتكم الإبداعية، وأن هناك من العلم والفكر ما تحجبونه عن قارئكم، فما الذي يبدد هذه الطاقة، نرجوك تفسيرًا؟

ــ سألتني أستاذ السيد قبل قليل (وسألني آخرون كثير من قبل) عن سبب كوني مغمورًا في أعين الناس أو أعين النقاد.

ــ معاذ الله أن أكون قد قصدتُ هذا، والحمد لله لكم حضوركم على الساحة الأدبية والعربية، وإلا فمع من أجري هذا الحوار الآن؟

ــ أشكرك، ولكن دعني أربط بين سؤالك السابق وسؤالك هذا لأن الجواب عنهما واحد. أنتم تتعاملون معي أستاذ السيد بمبدأ إحسان الظنِّ، ووصفكم لي الوارد في السؤال هو فوق ما أراه من حقيقتي. لا أُراني إلا طالب علم شغوفًا بالمطالعة والاستزادة، والحق أن ما كتبتُه كله محاولات سيحكم عليها الدهر فيأخذ ما صلح منها ويطرح الباقي. المرء في سعي حثيث نحو الأفضل، والعاقل من اتعظ بنفسه وبغيره، شعاري الثابت في الحياة قوله تعالى:

﴿إِنْ أُريدُ إِلَّا الإصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾

فجهدتُ على أن أُصلح ذاتي وأطهِّر قلبي أولاً، ثم أعمل ثانيًا على إصلاح من حولي الأمثلَ فالأمثلَ. كانت أعمالي الإبداعية من شعر ونثر تنطلق من قلمي وفمي من خلال هذا الإيمان؛ لأننا موقفون أمام الله محاسبون. ما نفع الشهرة إن كانت تردي صاحبها النار؟ كان أبو جهل عَلَمًا في قومه مطاع الأمر مهيب الجانب، فلم ينفعه ما كان عليه ولا شفعت له شهرته.

في الأعمال البحثية غير الإبداعية وضعت سقفًا عاليًا وقيَّدت نفسي بشروط صعبة ووسَّعت دائرة بحثي وكلفت نفسي بما لا أطيق.كان هذا عيبًا قاتلاً لم أستطع الخلاص منه. قال لي أستاذي الدكتور محمد رضوان الداية ذات يوم ناصحًا: “اسمع يا محمود.. ما تجعله أنت بحثًا أكاديميًا واحدًا يجعله غيرك عشرة بحوث وينال عشر شهادات بدل شهادة واحدة ويطبع عشرة كتب بعدها”. لم أعمل بنصيحته مع الأسف!

ــ ولماذا لم تأخذ بنصيحته البراجماتية دكتور خَيتي؟

ــ لأنني آمنتُ – وأومن – بوجوب إتقان العمل الذي أرتزق منه؛ فأخلصت جهدي ووقتي لعملي مصدر دخلي فلم أفرغ للتأليف إلا قليلاً. ومن عجب أنه عندما صرت خارج دائرة العمل صرت في بلاد الهجرة واللجوء، ففي الشباب كانت القوة وما كان فراغ، وفي المشيب حصل الفراغ وضاعت القوة. أتحدث وقلبي ينفطر، فقد ضاع كل شيء وبات ركامًا وأطلالاً دوارس، لا بيت ولا وطن ولا أهل ولا جيران، نحن مشتتون في قارات العالم الخمس. التأليف بحاجة إلى فراغ وإخلاص وكدٍّ وتوازن نفسي وشعور بالاطمئنان والأمان، واستقرار يحتضن كل ما سبق، وهذا كله غير متحصل في مرحلتي هذه، وربما استمر الوضع القلق هذا مدى العمر أو حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

دُعيتُ في الآونة الأخيرة إلى إلقاء محاضرتين هنا في إسطنبول، فأجبت الدعوة في كلتيهما (واعتذرت عن ثالثة)، واقتضى الموضوع الدخول في تفاصيل جغرافية وتاريخية وحضارية، وعند التحضير اتكأت على ذاكرتي حينًا وعلى ما توافر بين يدي من قراءات حينًا آخر. تمت المحاضرتانِ وفي النهاية عبَّر الحاضرون عن إعجابهم، ولاحظتُ أن الشباب ينقلون كلامي ويدونونه في دفاترهم، فأعادوا لي مشاهد قديمة أيام المدرسة والجامعة، فشعرت باستياء من نفسي لأنني لم أبادر إلى تزويدهم بخلاصة مطبوعة للأفكار المطروحة، وعمدت بعدها إلى كتابة خلاصة مقتضبة ونشرها على مواقع التواصل لتعمَّ الفائدة.

وبعد………

يا ربُّ إن بسَطَ الملائكُ صفحتي

وأتَوا بشعري فاعفُ عنهُ بسترِ

هذا ضعيفُ الشعرِ جاءكَ راجيًا

فاجعلْ إلهي اليسرَ بعد العسرِ

ليس الذي نشَرَ القصائدَ شاعرًا

بل إنَّهُ مَـنْ فـازَ يومَ “النشرِ”

من ديواني “تسبيح قلب”

 

  • في نهاية هذا الحوار الثري الماتع أتقدم بخالص الشكر والتقدير للسيد الأستاذ الدكتور محمود عمر خيتي باقة العلوم والفنون؛ فهو المعلم والمحاضر، والباحث التربوي اللغوي، والأديب الكاتب الشاعر القاصّ، والفنان الخطاط الرسام، والمدقق اللغوي، وغير هذا كثير، ومن يعلم قدره يرى أن حوارًا واحدًا ولو مطولًا لا يكفي للإلمام بكل روائعه وفرائده.. كما أتقدم لقراء صحيفة ذي المجاز الموقرة بالشكر على المتابعة والحماسة لهذا الحوار القيم بقامة من حاورته…
اترك تعليقك من فضلك

عن ياسين عرعار

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز