قصيدة د.ريم سليمان الخش – وقراءة عبد الحافظ بخيت متولي – صحيفة ذي المجاز

قصيدة د.ريم سليمان الخش – وقراءة عبد الحافظ بخيت متولي

أولا : القصيدة

ريم الخش

” أراقص الموت مثلي الموت لم يرد”
للشاعرة ريم الخش
حمى تراودني قد مزّقت جسدي
كأنّ سطوتها حبلٌ من المسدِ
.
حمى تباغتني في ثغرها حممٌ
ألقت حبائلها ماعدتُ ملك يدي
.
هما اثنتان: لظى عشقٍ تؤازرها
لظى التغربِ ..ماأشقاك ياكبدي!
.
قلبي تلوّى كطيرٍ حان مذبحه
مذْ بيع حقلك للأغراب عن عمدِ
.
لم ألقَ وجهيَ قد ضاعت ملامحه
وجهٌ تماهى مع الأحزان والكمد
.
كم رحتُ أندب محموما وأذكرهم
نارُ التفرعن ماأبقتْ على أحدِ
.
فرعون قهري كم أضنى معيشتنا
ناديتُ موسى وغير النار لم أجدِ!
.
ياربّ موسى خلعتُ النعل مبتهلا
أن تطفئ النارَ عن أهلي وعن بلدي
.
لو كنت أملك صك العفو عن زمني
لعادت الأرض للجنّات والرغد
.
أو كنتُ أملك ارجاع الزمان الى
خطيئة الأهل والتفاح والجسدِ
.
لما رضيتُ بإغواءٍ يكبدنا
دهرا من الجوع والآلام والنكدِ


مصلوبُ دربي لاأحصي توجعه
هذي جراحك ياعيسى بقعر يدي
.
رهطٌ لقتلك قد سنّوا مِسلتهم
أدموا جراحيَ إذْ ظنوك في جسدي
.
يارحمة الله هل تنجو مراكبنا
مثل المسيح بعون الله والمدد؟
.
(بيلاطس) اليوم لاتحصى جرائمه
دقّتْ بجسميَ آلافٌ من الوتدِ
.
في لعنة الشرق قد عمّدتُ من أمدٍ
آلام قلبي فاقت قدرة العدد


لأنه الشرق قد ذقنا تلوعنا
لأنه الشرق موتٌ دائمٌ أبدي!
.
قديس عشقيَ نهرٌ مرّ من شفتي
لقبلة الروح حجٌ دائمُ الأمدِ
.
منه ارتويتُ بخمرٍ قبل مقصلتي
سكران عشقيَ يا موتي ألا انعقدِ
.
سكران قلبك لاخوفٌ ولا جزعٌ
أراقصُ الموتَ مثلي الموتَ لم يرِدِ
.
د.ريم سليمان الخش Rim Al Khach Johnny
بيلاطس : هو بيلاطس النبطي الحاكم الذي أمر بجلد نبي الله عيسى وتعذيبه..فأنجاه الله من غدرهم
_قدرة العدد : اي قدرة الأعداد الصحيحة –#رياضيات
ثانيا : القراءة
بقلم / عبد الحافظ بخيت متولي
الرؤيوي المغاير في قصيدة” أراقص الموت مثلي الموت لم يرد” للشاعرة ريم الخشن
إن المتتبع لتجربة الدكتورة ريم الشعرية يكتشف مراوغة القصيدة عندها ، والتي تنفتح علي فضاءات عدة منها الذات والعالم والزمن ، لكن تظل القصيدة عندها ذات طعم خاص يشير إليها بما تحمل من عمق فلسفي ووعي جمالي في بناء القصيدة يكاد ملتصقا بها وحدها ، حتي إننا لو قرأنا بعض الأبيات دون عنوان أو اسم نستطيع أن نقول باطمئنان إن هذه أبيات الدكتورة ريم وذلك لما لها من خبرات تشير إليها في بنية خطابها الشعري وإنشاء قاموسها اللغوي
ونحن الآن أمام واحدة من فرائدها ، قصية ” أراقص الموت مثلي الموت لم يرد ” والقصيدة منذ العنوان ملغزة ومربكة للمتلقي مالم يكن متسلحا بوعي جمالي قادر علي أن يتعامل مع النص بوصفه حالة شعرية فائقة التوهج وعميقة الدلالة ، ولعل هذا ما يفسر لنا تلك الحوارية المدهشة التي يتأسس عليها عنوان النص – علي طوله – فالعنوان يحمل مفارقة عجيبة حيث مراقصة الموت ، والتي تحمل دلالة مفتوحة ، فلا ندري إن الرقص من شدة الذبح متناصا في ذلك مع التراث أم رقص الغيبوبة في حال احتضار الروح ؟ لكن المدهش في الأمر أن الموت لا يرد أي يرد حوض الرقص أو يريد الرقص وتلك علامة فارقة في أنسنة الموت وطبقا لباختين فإن “تفكير كل فرد وعالمه الداخلي ينعمان بسماع مجتمعي خاص تتكون في داخله استنباطات الفرد الداخلية وحوافزه وتقديراته وكلما كان الفرد أكثر تناقضا كلما اقترب من الإبداع الايديولوجي”
لذلك جاء العنوان دالا علي العمق الأيديولوجي لدي الشاعرة التي تحمل فلسفة خاصة بها بنت عليها المعمار الواعي للقصيدة مستعينة بالتاريخ وعلم الأديان ومهنتها الخاصة كونها تقوم بتدريس علم الرياضيات في الجامعة ، وحتي علي مستوي هندسة الخطاب الشعري في النص يبدو أثر المهنة فاعلا
وتأتي الجمل الشعرية الأولي صادمة ومتوهجة أيضا حيث الحمي التي تحمل المرض والهذيان معا ، وهذا الاستهلال الذى يشير إلي حالة خاصة وخارجة علي معطيات الوعي يتوالد في النص وكأنه النواة المخصبة التي توجد الشعرية في القصيدة وتنتجها
حمى تراودني قد مزّقت جسدي
كأنّ سطوتها حبلٌ من المسدِ
.
حمى تباغتني في ثغرها حممٌ
ألقت حبائلها ماعدتُ ملك يدي
في الشعر يصبح سياق الإحالة في الأشياء والموجودات ذا مغزي يحيط بالتجربة الذاتية لذلك تصبح هذه الموجودات ذات تعبير مجازي يحمل الكثير من التأويلات اللانهائية ليسكن التجربة الشعرية متخذا من اللغة أرضا خصبة للحضور الإبداعي في النص ، ومن ثم هنا فإن الحمي في النص غير الحمي والذات غير الذات بل إن الذات هنا هي القصيدة المحمومة في مواجهة اللغز الكوني للعالم والشديد التعقيد مما ولد أيضا عند الذات حيرة كبري تفقد فيها القدرة علي التعبير عن وجودها حتي صارت ليس ملكا لنفسها ، لذلك فالقصيدة هنا لا تعيد رسم الأشياء بل تبتكر حقائقها من جديد
لذلك فالشاعرة هنا تعي ذلك الدور الذى تضطلع به القصيدة فتحملها كل الموجودات وتلحق بها الرموز الدينية والتاريخية لتعلن عند ميلاد وجود عبر رحلة عذاب الذات ينبثق من الموجود الشعري وليس من الموجود الكوني
أو كنتُ أملك ارجاع الزمان الى
خطيئة الأهل والتفاح والجسدِ
.
لما رضيتُ بإغواءٍ يكبدنا
دهرا من الجوع والآلام والنكدِ


مصلوبُ دربي لاأحصي توجعه
هذي جراحك ياعيسى بقعر يدي
يبدو النص هنا مشحونا باستدعاءات البعد الأيديولوجي الذى يري أن الزمن ليس علامة الوصف المادي وإنما هو علامة الوصف المعنوي فما مر منه لازال يعمل سلطة علي الذات فيعذبها لذلك تلجأ القصيدة إلي استدعاء المسيح ليس ليكون مخلصا للعالم بل ليكون ضامنا للذات عبورها من دائرة الفقد إلي دائرة الوجود لذلك كانت جراح عيسي يقعر يد الذات
التي تحمل هي عذابات العالم ، وعيسي هنا رمز موازٍ لتبدل الأدوار وعدم قيمة التاريخ والزمن في عالم لم تعد فيه حدود بين الأشياء فمالت القصيدة الي ذلك الطابع التشخيصي الذى يقارب بينها وبين المستوي الشكلي للأشياء
رهطٌ لقتلك قد سنّوا مِسلتهم
أدموا جراحيَ إذْ ظنوك في جسدي
.
يارحمة الله هل تنجو مراكبنا
مثل المسيح بعون الله والمدد؟
وهذه المقاربة بين القصيدة وبين المستوي الشكلي للأشياء تحصر النص في زاوية المحنة الكونية التي تتوسل إلي الخلاص بكل الأشياء ، وتمهد في نفس الوقت لصور المحنة في العالم المحيط ومبرراتها
في لعنة الشرق قد عمّدتُ من أمدٍ
آلام قلبي فاقت قدرة العدد


لأنه الشرق قد ذقنا تلوعنا
لأنه الشرق موتٌ دائمٌ أبدي!
إذن هو الشرق سبب الكوارث والباعث الأول للمعني الأيديولوجي في القصيدة ،لذلك باتت القصية شاهدة علي كل قضايا الموت والقبح والتدمير في هذا الشرق والمنفيين في زوايا عالمه وهذا يبرر ميل القصيدة نحو إيجاد موجودات لا تحمل سمة المكان ” الشرق / الغرب” بل تحمل سمات نقاء الذات فتصب القصيدة في خاتمة كأنها المزن بعد البركان
قديس عشقيَ نهرٌ مرّ من شفتي
لقبلة الروح حجٌ دائمُ الأمدِ
.
منه ارتويتُ بخمرٍ قبل مقصلتي
سكران عشقيَ يا موتي ألا انعقدِ
.
سكران قلبك لاخوفٌ ولا جزعٌ
أراقصُ الموتَ مثلي الموتَ لم يرِدِ
هنا نأتي إلي ارتواء الذات من قديس العشق الفرد وليس العالم هذا العشق الذي يمنح الحياة الأبدية بعد الموت لكن الموت لايرد للذات هذه الحياة وهنا تدخل القصيدة قي دوائر لا متناهية من التفجر إذ يفضي أولها إلي أخرها وأخرها إلي أولها فكأنما كل بيت فيها شعاع يضيئ الآخر حتي تدخل السريالي والعجائبي لتصنع لوحات شعرية فائقة الجمال وعمقا فلسفيا منحها طاقة التكوين والخلود ، وتأتي القصيدة موشاة بإطار موسيقي صاخب مرة وهادئ مرة موازيا لقلق الذات وبنية رؤيويه مدهشة في كشفها للعالم وخلقها موجودات مغايرة في لب لوحاتها الجمالية المطولة والعميقة ودينامية رمزيو اعتمدت علي ثقافة الشاعرة ووعيها بالتاريخ بشكل لافت

عن محمد طكو

مؤسس ورئيس تحرير صحيفة ذي المجاز
| شاعر وإعلامي
للتواصل مع الشاعر من خلال صفحة الفيس بوك مباشرة

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز