بين (حبيق الموت)، و (محال انكون انا)،تتمفصل الحياة في الزجل سعيد فرحاوي – صحيفة ذي المجاز

بين (حبيق الموت)، و (محال انكون انا)،تتمفصل الحياة في الزجل سعيد فرحاوي

بين (حبيق الموت)، و (محال انكون انا)،تتمفصل الحياة في الزجل

بين (حبيق الموت)، و (محال انكون انا)،تتمفصل الحياة في الزجل ، او تنولد المعاني بصور عسيرة، انها الرؤيا من زاوية نظر شاعرين ينتميان الى الموجة الجديدة في الكتابة الزجلية المغربية .
عندما نقول( حبيق الموت)،يظهر عبدالمجيد الباهيلي بابتسامته المعهودة، هو شاعر في الواقع قليل الكلام، عميق النظرات ، لايتكلم الا عندما ينطق قولا يلائم مجراه في مسار الكتابة. فكلمة احبيق، هي اشارة الى وعاء او مكان مخصص للورد، والمعنى المطلوب في علاقة اللفظة بمحتواها ، اكيد، اننا سنتحول الى شيء جميل ومطلوب ومقبول في علاقتنا بوجودنا الجمالي، لكن الغريب هو الصاق كلمة الحبيق بالموت، ستقلب الاية وتتحول الدلالة ويتغير المجرى من المسعى الجميل الى حياة اخرى فيها نظر. شاعر عمق موضوع اختياره بربط حقلين متباعدين ومتناقدين، ليبني علاقة مستحيلة عندما حولها عطرا في الزجل. فتلازم ارتباطين بصيغتين متباعدتين في المنطق وقويتين في ترابطهما في دلالة العنوان سيحيلنا على اسئلة مشروعة. اهمها لماذا الموت بالذات في رياض الورد والعطر ؟ لماذا زين الموت وموقعها في مكان محبوب في حياتنا اليومية؟ ماسر هذه الكتابة الملغومة منذ بداية ظهورها في اول مستهل من كتابة مستفزة؟ هل الموت ايحائي على انتهاء شيء و ظهور شيء اخر كبداية لعهد جديد؟ موت ماذا ، هنا بالذات؟ وولادة ماذا بعد نهاية اولى وانبثاق حياة جديدة؟ هل سر ذلك ان الموت الاول سيمهمد لولادة يهيء لها الشاعر عطرا خاصا حدده في حبيق من نوع خاص؟ ماهذا الازعاج الدلالي الذي صفعنا به هذا الشاعر الذي يمثل عهدا جديدا من الكتابة الشعرية؟ هل الموت ، يريد منه صاحبنا اقصاء وقتل القصيدة التقليدية ليكون هو نفسه نموذجا لهذا الموجود الجديد؟ . هذه اسئلة مهمة نستهلها ونطرحها ونحن في حضرة ديوان جديد ظهر به صاحبنا ليصدمنا بكتابة اقل مانقول عنها انها مستفزة ومثيرة.
بعد حبيق الموت ، نعود الى تجربة اخرى لاتخلو هي الاخرى من ايحاءات معنوية مثيرة ومستفزة، اعني هنا ديوان الشاعر الشاب عزالدين الشدادي، جاء حاملا عنوانا لايقل وقعا عن سابقه، سماه(محال انكون انا)، قبل الكلام عن خصائص هذا العنوان لابد ان اشير ان الشاعر هو استاذ مادة الفلسفة، بمعنى لن يكون خيال سقراط وتيه ارسطو وتأملات الفلاسفة الكبار من امثال جان جاك روسو وسببنوزا وديكارت وغيرهم ، لن تغيب حياة هؤلاء عن تأملات شاعر يريد ان يكتب شعرا باعماق مغايرة وبحضور قوي لمقروء فلسفي جد مميز.هذه الخاصية سنجدها بقوة في اول اشارة من ديوانه الزجلي المطروح. من الاسئلة التي اراها مسعفة ، نجد اول بداية تطرح، لماذا اختار الشدادي الزجل بالذات ، منه يطل على عوالم فلسفية جد عمبقة في فكر التأملات، ؟ هل هو الاقرب الى رؤيته واختياره؟ هل الزجل هو الوحيد الانسب الى تحويل الشك عند ديكارت الى كوجيطو دارجي يستجيب للرغبة الملحة في حياتنا اليومية؟، هي اسئلة مفروضة ومشروعة، بعدها نتحول الى العنوان: محال انكون انا. هو اشارة نصية مربكة مكونة من ثلاث محتويات متداخلة تركيبيا ، مما يعني انه يرمي وقعا ما على المستوى الدلالي. نبدأ بكلمة محال، هنا نشم رائحة ديكارت ، او نستحضر النظرية الشكية كمنطلق منها يطل على عالم الزجل، اولا هو تعبير، ثانيا هو رؤيا، والاهم هو تصور لحياة رجل يرى تجاربه قرب حيوات اخرى وعبر عنها حسب فهمه تعبيرا، ابتدأ بالشك ، لكنه شك فلسفي لانه جعل من الذات موضوعا في كتابته ومحورا منها انطلق كبداية ، ثم هو شك بمعنى ايحائي على دلالات اخرى لن تفهم الا بفهم المتممات التركيبية، نتحول الى كلمة انكون، وهي دالة على الوجود او على مجوود في الوجود ،(انا) هي احالة على الفاعل او القائم بعمليات الادراك والتلقي والارسال بكل المستلزمات لحياة مقبولة، فتصبح الصورة التلازمية تفيد ان صاحبنا ابتدأ شكيا ، طارحا تباعدا لتحديد وجود موجود في وجود، لكنها تراكيب مربكة ومظللة، فالشاعر لا يعنيه مسألة علاقة ذاته بوجود ما، بقدر مايهدف الى رفض لمحيطات موضوعية ترافقه، اولا باخفائها، ويكفي بشك مربك مصدره اخفاء حقيقة عدم تقبله موضوعات تصاحبه، لنفهم ان الشك هنا هو استنكاري اكثر مما هو احتمال حضور شيء او غيابه. هي كتابة ابتدأت منذ ولادتها بمكرها الخاص، ما يهمها هنا هو منذ بداية تكوينها اعتمدت سر التلاعب بتلق تراه عين شاعرية انها هي الاقوى فتحركه بطريقتها .
هكذا تتحدد خصائص الشعر الزجلي المغربي المعاصر، ربما تمثل قوة القصيدة الزجلية التي ارادت ان تبني لنفسها نسقا خاصا بها ، يميزها ويبعدها عن تجارب الرواد. نفهم من ذلك ان التجارب الشعرية الشبابية ، نموذحا عبدالمجيد الباهيلي وعزالدين الشدادي، تمثل قوة ضاربة في حقل الكتابة الشعرية الزجلية المغربية، قوتها تكمن اولا في امكانية الشعراء في المجال المعرفي، ثم قدرتهم الكافية على فهم الزجل وتطويره وتغيير مساره وتحويله بقوالب مختلفة عن الاوائل ، كل ذلك لتجديد التجربة والدفع بها الى الامام.

عن عبد المالك أبا تراب

أضف تعليقاً عبر الفيس بوك أو جوجل أو تويتر أو الايميل:

%d مدونون معجبون بهذه:
صحيفة ذي المجاز